تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١٠ · صفحة ٢٤٤

ويجوز على ضعف أن يكون الرجع بمعنى رد المشركين لمخبرهم بالبعث ، فتكون الاشارة الى انكارهم البعث فى قولهم : « أئذا متنا » الخ أو الى قولهم هذا أو الى جوابهم النبى A بالانكار ، فيكون قوله تعالى : « رجع بعيد » من كلام الله تعالى ، أى بيعد عن الحق ، أجابوا به منذرهم A ، ولا يلزم فى هذا الوجه أن يكون رجع بمعى مرجوع كما قيل ، أى جواب مرجوع ، ووجه انكارهم البعث تفتت الجسم وفناؤه ، فرد الله تعالى عليهم بأنه بما تفتت وما فنى منهم فى الأرض فقال :

﴿ قَد علمنَا ما تنقص الأرضُ ﴾ وغيرها اقتصر عليها لأنها أكثر فى ذلك ومعناه تفنى وتأكل ، وهو أولى من تفسره بتغييب الميت فيها ، فينقص من عدد الأحياء ﴿ مِنْهم ﴾ من شعورهم وجلودهم ولحومهم وعظامهم وأظفارهم ﴿ وعِنْدنا ﴾ وحدنا ﴿ كتابٌ حَفيظٌ ﴾ زيادة تعميم فى عمله بكل شىء ، وانتفاء عجزه ، وذلك كناية عن الضبط والاحاطة بكل شىء علما بأعمالهم ، واجزاء الموتى ، وان قلنا اللوح يحتاج الى اللوح المحفوظ ، ولا بخفى أن القادر على خلق شىء من غير شىء ، قادر على اعادة ما فنى ولم يبق منه بعض ولا أثر ، نقول : هذا تقليدا لكمال قدرته ، والا فلمعدوم كيف يرجع بنفسه ، فأنه اذا تصورت وجوده فامَّا أن الموجود شىء آخر مثله كما قال به بعض ، وهو مخالف للصواب ، لأن الله D يقول : أبعثكم ولم يقل أبعث أمثالكم ، اما أن يكون هو الأول فأين كان حتى رجع والغرض أنه عدم ، وأما صفته أشكاله فلا اشكال كما يبقى عندك الشىء وشكله ، ووصف الفعل بعد العدم .

وانما قلت ذلك خلاف الصواب ، لأن فيه نسبة العجز الى الله ، وتعريض أجسام لم تعص على صورة العذاب ، الخصم يقول : لا بأس فى ذلك ، وله أن يفعل ما يشاء ، مع أن العذاب مطلقا ليس للجسم ، وانما هو للروح ، والروح باق ، وقد أذعنت قلوبنا الى أنه قادر على ايجاد ما فنى ، كما قدر على خلق شىء من غير شىء ، بل نقول : ولا بأس تغنى الأرواح التى فى صور اسرافيل ، ويخلقها الله ، أو تبقى وهى كالجماد ولا بأس ، ويحيى الله تعالى بها الموتى ، وان قلنا : هى احياء فى الصور فلا بد من موتها ، ثم احيائها ، قال أبو هريرة عنه A : « ليس من الانسان شىء لا يبلى الا عظم واحد وهو عجب الذنب ، منه يركب الخلق يوم القيامة » رواه البخارى وغيره ، ولا بأس فان المعنى أن حكمة الله ابقاءه لا أن الله يعجز عن البعث بدونه وهو أول ما يخلق ، وآخر ما يخلق ، فالله سبحانه وتعالى يحيى من الميت ما بقى ، ويرد ما فنى ويحيه .

٤٬٧٤٤ / ٦٬٠٩٣