32
الجزء ١٠ · صفحة ٤١٧قال ابن عباس لمن قال : سبع هن الى سبعمائة : أقرب منها الى سبع ، لكن لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الاصرار ، ولا يقال : الكبيرة كل ذنب يؤذن بقلة الاكتراث بالدين ، فكم صغيرة حسة تؤذن بها ، وقيل : الهمّ فى الآية ما فعله فى الجاهلية من إشراك وما دونه ، فالاستثناء متصل وليس كذلك .
﴿ إنَّ ربَّك واسعٌ المغفِرة ﴾ إذ كان يغفر الصغائر لمن لم يصر ، ويغفر الكبائر لمن لم يصر ، فلا ييأس الذين أساءوا أو من فعل كبيرة ولم يعتقد أن يعود اليها ، ولا أن لا يتوب منها ، وقد كان يستغفر فى الجملة كفاه ذلك فى قول ، وتغفر أيضا بالمصائب فى قول ، وقيل : تغفر بأداء الفرائض ، ولا بد من أداء المخلوق فيها ، ولو مما يلزم للفقراء ، كالكفارة ، وعن عمر وابن عباس : لا كبيرة فى الاسلام ، أى يتوب المسلم فيغفر له ، بخلاف المشرك فلا تنجيه توبته من الذنوب ما دام مشركا .
﴿ هو أعْلم بكُم ﴾ بأحْوالكم ، وأعلم خارج عن التفضيل بمعنى عالم ، لأن غيره تعالى لا علم له وقت انشاء الخلق من الأرض ، ولا بأحوالهم وقت كونهم فى البطون ، وقد قال الله تعالى : ﴿ إذ أنْشأكُم مِن الأرض وإذا أنتُم أجنَّةٌ فى بطُونِ أمَّهاتكم ﴾ وقد يقال : ان المتبادر أن المراد أن الناس لا يعلمون ، وليس المراد أنى أعم من الملائكة ، وعلى كل حال ليس الحصر مراد ، فانه كما هو علام وقت الانشاء ووقت الكون فى البطون ، عالم فى فى غير ذلك ، وعلمه واحد ، ولا إشكل البتة اذا جعلنا إذ مفعولا به لا ذكر ، لكنه وجه ضعيف فى الآية ، ومعنى الانشاء من الأرض إذ تولدت مما هو من الأرض أو يقدر مضاف ، أى أنشأ أباكم ، وأنشأكم من نطفة تولدت من الأرض وأجنة جمع جنين ، والمراد الاخبار بأنه أعلم بما فى ظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم ، والتلويح الى قدرته على خلق الأطوار والعلم بها ، فكيف يخفى عيه كبائركم وفواحشكم ولممكم ، وأعظم من ذلك علمه بما فى القلب من التكييفات .
﴿ فَلا تُزكُّوا أنْفَسكُم ﴾ اذا كان الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من الذنوب ، بزكاة للعمل ، وزيادة الخير ، واشكروه على فضله ومغفرته تعالى ، أو المعنى لا يزك بعضكم بعضا ، أو كل ذلك ، والنهى فيما هو رياء أو اعجاب أو غرض دنيوى ، أو على سبيل القطع والأمن من مكر الله ، وقيل : نزل قوله تعالى : ﴿ هو أعلم بكم ﴾ الى ﴿ اتقى ﴾ فى قول اليهود فى الصبى اذا مات ان صدق لله ، وقد مرّ هذا مع كلام فيه ، وجازت التسمية بالاسم الحسن ، كالحسن والحسين وسعيد ، وكان لعمر بنت اسمها عاصية ، فسماها A جميلة ، وغيَّر A برة بنت أبى سلمة ، وبرة بنت جحش الى زينب ، وقرأ : ﴿ فلا تزكوا ﴾ الخ ، وذلك كرامة لا تحريماً ، وعنه A : « لئن عشت لأنهين عن التسمية بنافع وأفلح » أى نهى تحريم .
﴿ هُو أعْلمُ ﴾ من غيره ﴿ بمَنِ اتَّقى ﴾ حذر الاشراك وما دونه من المعاصى ، وقيل اتقى شيئا من المعاصى فانه D يثيبه على اتقائه ، وقيل : نزلت فى المؤمنين قائلين صلاتنا وصومنا وجنا نهاهم أن يعجبوا أو أن يراءوا إما فرحا بالطاعة ، أو دعاء اليها ، فجائز ، وقد صح أن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر .