تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

32

الجزء ١٠ · صفحة ٤١٦

﴿ الَّذينَ ﴾ نعت للذين قبله ، لقيامه مقام ما ينعت أو بدله ﴿ يجْتَنبُون ﴾ المضارع للتجدد لا يزالون يجتنبونه ﴿ كبائر ﴾ كمطلق الزنى ﴿ الإثْم ﴾ اضافة خاص لعام هو الاثم ﴿ والفَواحشَ ﴾ عطف خاص على عام ، هو كبائر لأن الفاحشة ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنى بحليلة الجار ، أو بحليلة الساكن معه فى الدار ، أو بالحرمة ، أو بحائض أو نفساء ، وقيل : الفواحش والكبائر مترادفان ، وذكرا معا نظراً الى تغاير مفهوميهما ، فمفهوم الفحش القبح ، ومفهوم الكبيرة استعظام الذنب ، وكل فاحشة كبيرة ، وكل كبيرة فاحشة .

﴿ إلا اللَّمَم ﴾ الذنب الصغير ، والاسثناء منقطع لأن لفظ الكبائر الفواحش لا يشمله ، وعند سيبويه أن اللو ما بعده نعت لكبائر والفواحش ، ولم يشترط كما اشترط ابن الحجاب لذلك أن يكون المنعوت جمعا منكرا غير محصور ، قلنا : لا داعى الى النعت فى الآية ، وأصله ما قل من الشىء ، كما يقال : لمة اشعر لأنها دون الوفرة ، إلا أنه كل ما ظنه صغيرة ، لا ندرى لعله كبيرة أخفاها لئلا يجترأ عليها ، لأنها تغفر باجتناب الكبائر وبالوضوء ، وبالصلاة ، وبرمضان ، وبالجملة ، وظاهر القرآن والأحاديث والخبار ما ذكر ، لا كما قيل : كل ذنب كبير وان الصغر ، والكبر بالنسبة ، ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى : ليس فيما يعصى الله به صغير ، وذكر بعض : أن الصغائر تعرف ، وعن أبى سعيد الخدرى : أنها مثل النظرة والغمزة والقبلة ، قلت : هى كبائر ألا ترى أنهن ينقضن الوضوء والصوم ، وأنه يكحل عين الناظر بالنار .

وفى البخارى ومسلم ، عن أبى هريرة ، عن النبى A : « أن الله تعالى كتب عن ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهى ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » فسمى كل ذلك زنى ، إلا أن زنى أكبر من زنى ، والأكبر يكون بالفرج ، وفى مسلم كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ، مدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما البطش ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه .

وعن بعض أنها الهمُّ بالذنب بلا فعل له ، وقد قيل : انه يكتب عليه الاهتمام اذا اشتد ، ولا يكتب أنه فعل ، ولا يكتب عليه إذا خطر فى قلبه ولم يدم عليه ، وعن ابن عباس : كل ما نهى الله عنه أو عصى به ، فهو كبير ، ومعناه اعتبار عظمة الله سبحانه لا نفى الصغيرة ، وأخطأ من قال : اللمس المفاخذة صغيرتان ، لأنهما زنى ، وغير حفظ للفرج وللعورة ، فكيف يكونان صغيرتين ، وليست الكبائر محصورة فى القرآن ولا فى السنة ولا فى الاجماع ، بل تعرف بالذوق الصحيح ، وكم كبيرة لا توجب الحد ، ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد ، وكيف يحصر ما لا مطمع فى ضبطه .

٤٬٩١٦ / ٦٬٠٩٣