تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

38

الجزء ١ · صفحة ٥٠

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ أى من الجنة ، وهذا يقوى ، رجوع الضمير فى منها إلى الجنة ، وكرر قول اهبطوا لأن الأول مذكور برسم العقاب بالهبوط وفوت نعيم الجنة التى لا أجل لها ، ومضار الهبوط من العداوة إلى دار مؤجلة ، وبرسم التوبة ، والثانى مذكور على رسم التكليف كما قال ﴿ فَإِمَّا ﴾ إلخ إن ماء ، وما تأكيد لعموم الإتيان وهذا يقوى أن الخطاب للذرية فى الأول أيضاً ، لأن الحية والطاووس لا تكليف عليهما ، وقد يقال الأول لهما ولآدم وحواء وإبليس ، والثانى للذرية ، أو ذكره أولا بليّة ، وثانيا نعمة ، إذا رتب عليه التكليف المؤدى إلى الرجوع إلى الجنة مع ما لا يحصى من ولده ، كما روى أنه رق قلب جبريل على آدم وحواء فأوحى الله إليه ، دعهما ، فإنهما سيعودان إليها مع ما لا يحصى من ذريتهما ، ويخلدون أبدا ، وقد يقال كلا الخطابين كل لا كلية ، وقد يقال هبوطان ، الأول إلى السماء الدنيا مقدرين الاستقرار والتمتع فى الأرض ، والثانى إلى الأرض فإما ﴿ يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ فى الأرض ﴿ مِّنِّ هُدًى ﴾ وحى أو رسول ، مقتضى الظاهر ، فإذا أتاكم منى هدى لتحقق الإتيان ، لكان لما كان بعث الأنبياء والوحى إليهم من الجائز لا الواجب ، ولا واجب على الله D ، ذكر بصيغة الشك المعتبرة المخاطبة ، لأن العقل لا يوجبه ، ولو كانت الحكمة أن لا يهمل العاقل ، وفى صفة الشك أيضاً تدريج ، وفيه تخفيف ، أو لتنزيل العالم منزلة الجاهل الشاك إذا لم يجز على مقتضى علمه ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ ﴾ مقتضى الظاهر ، فمن تبعه ، لكن أظهر وأضاف للياء تعظيما ، وقيل لأنه لعموم ما يعقل بالاستدلال ، واتباع الهدى والإيمان والعمل والتقوى ، ومن آمن ومات ، أو تاب ومات قبل وجوب الواجبات فهو من هذا القسم ، ومن أصر نفى النار ، ولم يذكر فى هذه الآية إلا بمفهوم الشرط إذ شرط باتباع الهدى ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ والجملة جواب ، وقيل محذوف ، أى فاتبعوه فى آخر موتهم ، ولا فى القبر ولا عند البعث ، ويصيبهم الخوف فى الدنيا من مضارها ومن سوء الخاتمة ومن العقاب وفى بعض مواطن الموقف ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فى الآخرة من ترك الإيمان والتقوى ، إذ لم يتركوها فاستحقوا الجنة ، والخوف غم لتوقع مكروه ، والحزن غم لفوت مهم ، ويجب التحفظ عن المعاصى قال بعض :

يا ناظِراً يَرْنُو بِعَيْنِى رَاقِدِ … وَمُشَهِدٍ لِأَمْرِ غير مُنَاهِدِ

مَنَّيتَ نفسكَ ضَلّةً وَأَبَحْتَها … طُرْفَ الرجاءِ وَهُنَّ غيْرُ قواصد

تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنوب وترتجى … دَرَجَ الْجِنَانِ بها وفَوزَ الْعَابِدِ

ونَسيتَ أن اللهَ أخْرَجَ آدماً … مِنْها إلى الدُّنْيا بذنْبٍ واحدٍ

٥٠ / ٦٬٠٩٣