تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

152

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٢

﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ﴾ كلهم ، مقابل لقوله ، إن الذين يكفرون بالله ورسله ﴿ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ ﴾ معنى أحد متعدد ، فصحت بين ، أى بين جماعة ، أو بين اثنين ﴿ مِّنْهُمْ ﴾ أو بين أحد وأحد منهم ، وقد مر ، ولا حاجة إليه مع قوله تعالى : فما منكم من أحد عنه حاجزين وقوله : ولم يفرقوا بين أحد منهم مقابل لقوله : ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ، ويقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ﴿ أَوْلَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِهِمْ ﴾ المشهور أن سوف المضارع للمستقبل الطويل بعد احتماله الحال والاستقبال القريب ، وقيل هى لتأكيد مضمون مدخولها المستقبل ، وكأنه قيل هو واقع لا محلة ولو تأخر جدا ، أو ضد لن يفعل الموضوع للتأكيد ، كما قال سيبويه : لن يفعل نفى سوف يفعل ، والمضمون هنا هو إيتاء الثواب ، كما قال ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾ أى ثواب أعمالهم وإيمانهم ﴿ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً ﴾ لما صدر من ذنوب التائب وإنما يهلك من لا يتوب ﴿ رَّحِيماً ﴾ بتضعيف الحسنات إلى أكثر من سبعمائة لحسنة واحدة ، وقالت أحبار اليهود : إن كنت صادقاً فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أوتى موسى بالتوراة جملة ، وقيل : بكتاب محرر بخط سماوى على ألواح كالتوراة ، وقيل : بكتاب نعاين نزوله ، وقيل بكتاب إلينا بأعياننا وأسمائنا ، وأنك رسول الله فنزل قوله تعالى :

﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكِتَابِ ﴾ سؤال تعنت ، ولو سألوه ليتبين الحق لنزل ما طلبوا كما قاله الحسن ﴿ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ ﴾ وليس ذلك ببدع منهم ولا أول جهالتهم ، ولا تستعظمه ولا تبال به لأنه قد سبق أكثر من ذلك منهم ، كما قال ﴿ فَقَدْ سَأَلُوا ﴾ أى لأنهم قد سألوا ، أو إن استعظمت ذلك وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ كفرهم ، والواو لأهل الكتاب كلهم ﴿ مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ ﴾ وهو مجمل بينه بقوله ﴿ فَقَالُوا أَرِنَا اللهُ جَهْرَةً ﴾ وإنما سأل هذا أوائلهم ، لكنهم لما كانوا على مثل هذا السؤال وراضين عنه ومصوبين لأفعالهم وأقوالهم نسب إليهم السؤال ، ويجوز رجوع الواو إلى البعض السائلين القائلين فلا مجاز ، قال بعض المحققين ، إسناد فعل البعض إلى الكل وقع فى نحو ألف موضع من القرآن ، ولا أراه يصح ، شبه إظهار ما يرى بإظهار الصوت المسموع ، فسماه جهرة على الاستعارة ، وأصل الجهر فى الصوت ، أو أطلق الجهر على مطلق الإظهار ، فهو مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد ، والمعنى ، أرنا الله مجاهرا إلينا ، بفتح الهاء ، أو أرنا الله مجاهرين له ، أو إراءة جهرة ، أو أجهر لنا به جهرة كقمت وقوفا فجهرة حال من لفظ الجلالة أو من ن ، أو مفعول مطلق خرج سبعون رجلا من بنى إسرائيل مع موسى عليه السلام إلى الجبل فقالوا ، أرنا الله جهرا ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ﴾ نار من اسماء فأهلكتهم ، وقيل الموت ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ لظلمهم أنفسهم ، ودين الله بطلب ما هو محال فى حق الله ، وهو رؤيته ، فإنه نقص وشبه بالمخلوق ، وما كان نقصا يتنزه الله عنه فى الآخرة كما تنزه عنه فى الدنيا فلا يرى فى الآخرة ، وبيان الشبه ولانقص الجهات والحدود والحلول والغلظ والرقة والطول والعرض المستلزمات للون ، وقومنا يقولون ظلمهم هو إباؤهم عن الإيمان حتى يروه ، وذكر الجهرة مع أن رؤية العين لا تكون إلا جهرة زيادة فى التشنيع عليهم ، أو تحرز عن توهم الرؤية بدليل لا بالعين ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ﴾ إلهاً ، صوروه من الذهب والفضة وجواهر ، والترتيب فى الإخبار لا فى الزمان ، أن اتخاذهم العجل فى حال سؤال من ذهب مع موسى إلى المناجاة أو قبله أو بعده ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ﴾ على وحدانية الله تعالى ﴿ البَيِّنَاتُ ﴾ المعجزات من اليد والعصا وفلق البحر ، وسائر كل ما يدل على و حدته تعالى بالألوهية ، لا التوراة ، لأنهم اتخذوا العجل قبل نزولها ، ونسب إليهم اتخاذ العجل لأنه فعل آبائهم ، وقد رضوا عنه ، وفعلوا ما يشبته اتخاذ العجل من البدع ﴿ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ ﴾ لم نعاقبهم عليه لتوبتهم ، فتوبوا أنتم من كفركم نعف عنكم كما عفونا عن آبائكم ﴿ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً ﴾ تسلطاً عليهم ، بأن أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذ العجل فأطاعوه ، فقتل منهم سبعون ألفاً ﴿ مُّبِيناً ﴾ ظاهراً .

٧٠٢ / ٦٬٠٩٣