تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

171

الجزء ٢ · صفحة ٢٢٠

﴿ يَآ أَهْلَ الكِتَابِ ﴾ الإنجيل ، بدليل ، إنما المسيح ، فأهل الكتاب النصارى ، أو الأصل اليهود والنصارى ، والكتاب التوراة والإنجيل ﴿ لاَ تَغلُوا فِى دِينِكُمْ ﴾ لا تتجاوزا الحد فيه ، فغلوا اليهود هو قولهم إنه ساحر وأنه ولد زنا ، وقولهم عزير ابن الله ونحو ذلك ، وغلوا النصارى قولهم إنه إله أو ابن إله أو أنه الله ، ويدل لكون الخطاب للنصارى قوله : إنما المسيح ﴿ وَلاَ تَقُولُوا عَلىَ اللهِ ﴾ فى عيسى ولا فى غيره ﴿ إلاّ الْحَقَّ ﴾ نزهوه عن الشريك والولد والصاحبة ، أى الأمر الحق ، لجواز نصب القول المفرد الذى تضمن جملة فصاعدا ، كقلت خطبة ، وقلت قصيدة ، أو إلا القول الحق ﴿ إنَّمَا الْمَسِيحُ عَيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ ﴾ لا إله ثالث ، لا ابن الله ، ولا الله ، فرسول خبر ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾ لأنه وجد بقوله كن ، أى بتوجيه الإرادة إلى وجوده ﴿ أَلْقَاهَا ﴾ أوصلها ﴿ إِلَى مَرْيَمَ ﴾ وحصلها ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أى وذو روح صادرة من الله بلا واسطة أب ، وهى الروح التى خلقها الله جل وعلا لعيسى عليه السلام لم ترجع فى آدم بعد خروجها منه فله سبب بعيد فقط ، ولكل مولود سواه سبب بعيد ، وهو قولم كن وقريب ، وهو المنى ونحوه ولآدم ، وليس مولود السبب البعيد فقط ، وقيل : جعل قول كن كالمنى الذى يلقى فى الرحم ، وأنه استعارة ، وقوله تعالى منه بيان ، لقوله فى عيسى إنه روح الله فإن معناه ، أن روحه روح الله وملك له ، فليس فيه مدح زائد على كون سيدنا محمد A حبيب الله من حيث إن روحك أعز عندك من حبيبك ، لأنه ليس فى الآية سوى روح الله ، أو هى روح الله كلها فلا يصح لعاقل ، لأن الله جل وعلا لا يتجزأ ولا يتصف بالروح ولا بالحلول ، فلو كان ذلك لبقى الله بلا روح ، أو بروح ولم يختص عيسى بذلك ، ففى إنجيل لوقا ، قال يسوع لتلاميذه : إن أباكم السماوى يعطى روح القدس الذى يسألونه ، وفى إنجيل متى ، أن يوحنا امتلأ من روح القدس وهو بطن أمه ، وفى التوراة قال الله تعالى لموسى عليه السلام : اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التى عليك ، وفيها فى حق يوسف عليه السلام ، يقول الملك ، هل رأيت مثل هذا الفتى الذى روح الله D حال فيه ، وفيها ، أن روح الله حلت على دانيال وغير ذلك ، وناظر بعض النصارى بعض أكابر المسلمين بأن فى القرآن ما يشهد بأن عيسى جزء من الله تعالى ، وتلا قوله تعالى : وروح منه ، فعارضه المسلم بقوله تعالى : وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعاً منه ، فيلزم أن تكون الأشياء جزءاً منه ، وهو فحال باتفاق ، فأسلم النصرانى ، والمسلم هو على بن الحسين الواقدى ، والنصرانى طيب حاذق عند الرشيد ، وفرح الرشيد بذلك فرحاً شديداً ، فأعطى عليَّا صلة فاخرة فإن فى ذلك من للابتداء ، لا للتعيين ، فذلك الروح كسائرالأرواح ، أو هى ريح من فى جبريل ، نفخها فى ذراعها ، والنصارى لعنهم الله قالوا ، مريم زوج الله ولد منها عيسى ، فلا هوتيته ، أى إليهيته من جهة الأب ، تعالى الله ، وناسوتيته ، أى إنسانيته ، من جهة الأم ، فنفى الله جل وعلا لاهوتيته وأثبت ناسوتيته ، ولا نطفة فيه من أمه أيضاً ، كمثل آدم ، خلقه من تراب ، وقيل سمى روحا ، لأنه يحيى الموتى والقلوب ، وقل ، روح منه بشارة من الله عو وجل لها على ألسنة الملائكة ، كما قال تعالى : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه وقيل ، روح بمعنى رحمة ، كما قال تعالى : وأيدهم بروح منه ، فى تفسير ، وقيل ، سر من أسرار الله عز جل ، وقيل ذو روح ، وقيل ، جبريل فيعطف على الضمير فى ألقى ﴿ فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسْلِهِ ﴾ عيسى عليه السلام إيماناً خالصاً ﴿ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثةٌ ﴾ أى الآلهة ثلاثة ، الله وعيسى ومريم ، لقوله تعالى ، أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله ، ولا تقولوا الله ثلاثة ، كما حكى عن النصارى مذهب ثان : أن الله جل وعى جوهر مركب من ثلاثة أقاليم ، الأب والابن وروح القدس ، ويريدون بالأب الذات ، وبالابن العلم ، وبروح القدس الحياة والصحيح عنم القول الأول ، وكلا القولين باطل ، والقائلون منهم بألوهية مريم انفرضوا ، ولذلك أنكر نصارى العصر القول به ، كما أن القائلين عزير ابن الله طائفة من اليهود انقرضوا ﴿ انتَهُوا ﴾ عن التنليث والتجسيم ﴿ سُبْحَانهُ ﴾ أسبحه ، أى أنزهه ، أو سبحوه ، أو نزهوه ﴿ أَن يَكُونَ لهُ وَلدٌ ﴾ عن أن يكون له ولد ، فإنه يكون للأجسام ، والله غير جسم ولا عرض ، والجسم والمرض يستحقان الموجد ، فيتسلسل أو يدور ، وكلاهما محال ، ذكر نصرانى أن حروف البسملة بالتقديم والتأخير تقيد كلاما ، هكذا المسيح ابن الله المحرر ، وأجابه البوصيرى صاحب الهمزة بأنها بذلك تفيد نقض ذلك هكذا ، إنما الله رب المسيح راحم ، المسلمين ، سل ابن مريم أحل له الحرام ، لا لمسيح ابن الله المحرر ، لا مرحم لك أم أبناء السحرة ، رحم حر مسلم أناب إلى الله لله نبى مسلم حرم الراح وهكذا عبارات لا تنحضر ، وحساب حروفها سبعمائة وسنة وثمانون ، كحروف قولك ، إن مثل عيسى كآدم ، ليس لله من شريك ، ولا أشرك بربى أحدا ، يهدى الله لنوره من يشاء ، والولد إنما يعادله مثل ويتطرق إليه فناء فيحلفه ولده ، وتتوكل الأمور له وتقوم عنه والله حافظ قائم بكل ما سواه ، ولذلك لا تلد الملائكة ولا أهل الجنة ، وكل موجود سواه ملك له ، فلا يتصور أن شيئاً ملك له وولد له ، ولذلك قال الله ﴿ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ ﴾ لا يحتاج ولا يماثله شىء يكون له ولدا ، أو الولد يكون مالكا ، فلا يكون له مالكا لجميعها ﴿ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً ﴾ قائما بحفظ معه كالولد ، روى أن وفد نجران قالوا لرسول الله A : لم تعيب صاحبنا؟ قال رسول الله A : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى عليه السلام ، قال رسول الله A : وأى شىء أقول؟ قالوا : عبد الله ورسوله ، قال : إنه ليس بعار أن يكون عبد الله ، قالوا : فنزل قوله تعالى :

٧٢٠ / ٦٬٠٩٣