جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مقدمة

الجزء ١ · صفحة ٤

الرسالات سواء أكانت مشاكل اجتماعية أم ُخلقية أم غيرها، ولكن شعاع تلك الرسالات ما كان يمتد لأكثر من أجيال محصورة ولا يتعدى أحيانا شعوبا معينة، وأقاليم محدودة لأنها كانت موقوتة، ولم يرد لها الخلود.

وعندما أراد الله إسباغ نعمته على خلقه أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم برسالة خالدة تشتمل على كل ما تحتاج إليه الإنسانية من تنظيم لحياتها وحلول لمشاكلها، وكما تشتمل على كل ما تتشوق إليه نفس الإنسان من تبيان حقائق غيبية ترتبط مصالح الناس بمعرفتها واعتقادها. ولخلود هذه الرسالة العظمى فقد جمعت في ظل بنائها المتين الواسع بين فئات البشر من غير تفرقة بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين قوي ومستضعف، ولن نستطيع أن نقدر هذه الرسالة حق قدرها، ونكتنه عظمتها وشأنها إلا إذا استوحينا ذلك من إعلان الحق تعالى لمقام المرسل بها فقد قال عز وجل"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء/107) وهنا لا يملكه العقل إلا أن يقف وقفة الخشوع والتسليم أمام البيان الرباني عن عظمة الرسالة لم تكن مقصورة على البشر ولا على الأرض وسكانها، وإنما هي شاملة للعالمين، والعالمون جمع عالم والعالم كل ما كان علامة ودليلا على وجود الحق تعالى. وهذا يعني أن كل ذرة في هذا الكون مغمورة بهذه الرحمة، مشمولة بهذه النعمة، ولكن الهدف الأساسي لهذه الرسالة إصلاح النوع الإنساني، لأنه الخليفة في الأرض، والقطب الذي تدور عليه رحي هذا الكون. وإصلاح الإنسان يكون نفسيا واجتماعيا، والإصلاح النفسي هو التنظيم الدقيق بين جوانب الإنسان المختلفة بحيث لا يطغى أثر جانب على آخر فلا توفر مطالب الجسم على حساب الروح، ولا تلبى مطالب الغريزة على حساب الضمير والعقل ولا عكس ذلك، ولكن تراعى مطالب الروح والجسد معا، وأشواق القلب وتطلعات العقل جميعا، حتى لا يحدث أي نشاز وتضاد بين جانب وآخر، وأما الإصلاح الاجتماعي فهو رعاية جميع مصالح

٢ / ١٬٢٢٠