مقدمة
الجزء ١ · صفحة ١٤العزائم، فانطلقوا في أرجاء الأرض، مستهدفين كل جبار عنيد وشيطان مريد، ولم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الأكاسرة والقياصرة ووطئوا بنعالهم على تيجانهم، فحرروا الشعوب المستضعفة المقهورة المحكومة بنير الجبارين، وبطش الظالمين، وأبدلوها بالذل عزا، وبالخوف أمنا، وبالاستكانة إباء.
وعندما أخذ المسلمون- وفي مقدمتهم العرب- ينأون عن القرآن وهدايته ويتبعون السبل المتفرقة كانت النكسة الأليمة التي أصيبت بها الإنسانية كلها، إذ أخذت الجاهلية بزمام قافلة البشرية تقودها إلى حافة الانتحار، والمسلمون أنفسهم من ضمن الركب "إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" (النساء/98) بل المسلمون صاروا بانحرافهم عن طريق القرآن من أشد الناس شقاء وأتعسهم حالة، وألبسهم للذل وأوغلهم في التخلف ولا غرو فقد أفلتوا سبب العز من أيديهم، وتفرقت بهم السبل بضلالهم عن سبيل الله، واستولت على عقولهم الظلمات لتعاميهم عن نوره المبين، فاختلف نتيجة ذلك عندهم الموازين، وتبدلت المقاييس، فأصبح المعروف عندهم منكرا والمنكر معروفا، والحق باطلا والباطل حقا، والفضيلة رذيلة والرذيلة فضيلة، والعز ذلا والذل عزا لأنهم لم يأخذوا بموازين القرآن ولم يستخرجوا منه مقاييس الأمور، وإذا تلي عليهم القرآن وذكروا بآياته خروا عليها صما وعميانا، واستعاضوا عن صوت القرآن أصوات القيان ومزامير الشيطان، وقصرت عند كثير منهم تلاوته عند حدوث المصائب وقد تفتتح به برامج الإذاعة المسموعة والمرئية وتختتم وما يدور بين الافتتاح والاختتام معظمه حرب على القرآن وهدم لما شيده، كما تفتتح وتختتم به الحفلات التي كثيرا ما تكون مجانبة لأمره بعيدة عن هديه.
وإذا كان الصحابي الجليل ابن مسعود( رضي الله تعالى عنه) يرى أن تلاوة القرآن مع ترك العمل به مؤدية بصاحبها إلى الوعيد الذي جاء في قوله تعالى"وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" (طه/124) فما بالك بأولئك الذين يحفظون عناوين الأغاني المائعة والقصص الماجنة أكثر مما