جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) 49

الجزء ٣ · صفحة ٢٤٣

ما يلقاه من قاهرية و مستذليه ؟ غير أن هذه الطريقة تحتاج إلى صبر طويل المدى حتى تعطي نتائجها ، ولم يكن فرعون وآله يملكون مثل هذا الصبر ، ومن ثم استعجلوا النتيجة بإبادة الذكران من المواليد الإسرائيليين واستبقاء إناثهم للإمعان في الإهانة ، وهذا لأن الذكور بهم امتداد حياة الأمم والشعوب والقبائل ، وماذا عسى أن تكون حالة الإناث وما لهن من حام للذمار ، أو كاشف للعار ؟ ولو قدرت لهن ذرية فلن تكون امتدادا لأصولهن ، وإنما يكونون امتدادا لآبائهم الآخرين .

يسومونكم ﴿ هذا ما يدل عليه قوله تعالى : ، وقد ذهب أكثر المفسرين في تفسيره مذاهب لا تستند على ﴾ أبناءكم ويستحون نساءكم حجة سوى روايات ليس لها من أصل وإن عزيت إلى من عزيت إليه من السلف ، منها أن فرعون أخبرته الكهنة عن إظلال زمن مولود إسرائيلي يكون هلاكه على يديه ، ومنها أنه رأى في نومه نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وسلمت بني إسرائيل فأولت له رؤياه بما سبق ذكره ، ومنها أنه نمي إليه حديث تردده ألسنة بني إسرائيل مفاده أن الله تعالى وعد عبده الخليل إبراهيم عليه السلام أن يجعل ذريته أنبياء وملوكا ، وأنهم يتطلعون إلى هذا الوعد ليتخلصوا مما هم فيه من النكد .

وهذه الأقوال ظاهرة البطلان ؛ أما الأول والثاني فبطلانهما من حيث إن الرؤيا والكهانة لو أفادا علما يقينيا بأمر ما مع تحديد زمنه لبطل إعجاز النبوات بالإخبار عن المغيبات لتساوي الكل في ذلك ، وأين النبوة من الكهانة ؟ والرؤيا الصادقة وإن كانت في كثير من أحوالها نافذة للإطلاع على بعض الأحوال المستقبلة ، فإنها تختلف عن الوحي الظاهري لأنها تأتي مطوية في غلف تختلف رقة وغلظة ولذلك تحتاج إلى تأويل يصدر عن فهم وإدراك عميقين ، ويبعد أن يكرم الله بالرؤيا الصادقة أمثال فرعون ممن ران على نفوسهم الكفر واستولى على وجدانهم الضلال(7) ، ومن ناحية أخرى فإنه من المستبعد أن

١٬٠١٨ / ١٬٢٢٠