(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٤بما حاصله، ( أن بني إسرائيل لما عبروا البحر انفرق بهم وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض قد جعلوا ذلك الماء الرقراق فرقين عظيمين ممتدين كالطود، وأن هذه الآية تشعر بذلك، فإنه يقول : ( وإذ فرقنا بكم البحر )ولم يقل فرقنا لكم البحر والظاهر أن الباء هنا للآلة، كما تقول قطعت بالسكين، وأما قوله تعالى : ( وأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق )(17) فإنه لا ينافي أن الانفلاق كان بهم، كما في آية البقرة لا بالعصا، وذلك أن الذي أوحاه الله تعالى إلى موسى هو أن يخوض البحر ببني إسرائيل وقد عهد أن من كان بيده عصا إذا أراد الخوض في ماء كترعة أو نهر أن يضربه أولا بعصاه، فهذه الآية معبرة عن هذا المعنى، أي ألهمه الله عندما وصل إلى البحر أن يضربه بعصاه ويمشي، ففعل ومشى وراءه بنو إسرائيل بجمعهم الكبير، وأما قوله تعالى : ( فكان كل فرق كالطود العظيم )فهو تشبيه معهود مثله في مقام المبالغة، كقوله تعالى : ( وهي تجري بهم في موج كالجبال )(18) ، وقوله : ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام )(19) ، فالأمواج والسفن الجواري لا تكون كالجبال الشاهقة والأعلام الباسقة، وإنما تقتضي البلاغة بمثل هذا التعبير لكمال التصوير وإرادة التأثير )(20) ، وأضاف إلى ذلك من بعد أنه بسط تأويله لئلا يتوهموا أنه لم يقل به لعدم اهتدائه إلى توجيهه مثلهم، وأشار فيما بعد إلى عدم أهمية الخلاف مع هؤلاء إذ كانوا يثبتون الآيات الكونية تأييدا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسوغ أن تكون الباء في قوله بكم سببية أو للملابسة لا للآلة – كما يقول المتأولون – وذكر أن البيضاوي أشار إلى ذلك كله بقوله: ( فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك لسلوككم، أو بسبب انجائكم، أو متلبسا بكم )، وأضاف إلى ذلك من بعد أن الخلاف منصوص عليه في تفسيري الأصفهاني والبغوي (21) .
ويستفاد مما قاله أنه لا يستبعد صحة مقالة هؤلاء المتأولين ما داموا