جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

يوصف القرآن بأنه محكم وأنه متشابه

الجزء ٤ · صفحة ٩

يوصف القرآن بأنه محكم وأنه متشابه

لئن كانت هذه الآية الكريمة تفيد انقسام القرآن الكريم إلى قسمين : متشابه ومحكم بحسب ما يكون من وجوه الإختلاف في دلالته - كما سيأتي إن شاء الله - فإن من آياته ما يدل على أنه جميعاً مُحكم ، وما يدل على أنه جميعاً مُتشابه ، فقد دلَّ على إحكامه جميعاً قوله تعالى : ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾هود1 ، وما تكرر من وصفه في آيات شتى بأنه كتاب حكيم وقرآن حكيم ، فإن الحكيم فيها بمعنى المًحكم ، ودل على تشابهه جميعاً قوله تعالى : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ﴾الزمر23 ، وذلك لا ينافي انقسامه إلى مُحكم ومتشابه كما تُؤذن به هذه الآية الكريمة ، فإن هذا الانقسام إنما هو باعتبار معنى غير المعنى الدال على إحكامه جميعاً وتشابهه جميعاً ، فإن وصفه كله بالإحكام أنه في غاية الإتقان من حيث لفظه ومن حيث معناه ، فقد أتقن الله عز وجل تركيب حروفه وكلماته ، وأبدع تناسب سوره وآياته ، ولذلك بهر العالمين ببلاغته وتساقطت همم بلغاء العرب عن محاولة مجاراته ، فإن كلماته جميعاً رُصفت رصفاً لا يمكن أن تنتهي إلى مثله مَلكات البشر ،فلذلك تلاحمت هذا التلاحم الذي أخذ بالألباب ، إذ لو استبدلت كلمة منها بغيرها لنبت عن سائر الكلمات وتعذر هذا الذي نراه بينها من الإنسجام ، ولم يكن ذلك في الكلمات وحدها بل هو أيضاً في الحروف التي تركبت منها، وذلك بالنظر إلى مخارجها وصفاتها وإيحاءاتها وهو ما لا يوجد في سائر الكلام .

وليس هذا الإنسجام في ألفاظه وحدها بل فيها وفي معانيها ، وذلك هو سر إعجازه وآيةُ ربانية مصدَرِه ، فإن معانيه - مع طوله ونزوله في أحوال مختلفة ومواقف متبايتة وأزمنة متباعدة - ليس بينها نشاز ولا اضطراب ، ولذلك نعى الله عز وجل على أولئك

١٬١٨٣ / ١٬٢٢٠