(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٣كل فرق كالطود العظيم )(13) ، وتلك إحدى المعجزات التي قرن الله بها دعوة عبده موسى عليه السلام ، إذ لم يكن ذلك أمرا طبيعيا مألوفا، فما للعصا وانفلاق البحر لولا أن الله أودع فيها من سره الغيبي ما لا تكتنه عقول البشر ، وقد مضت سنة الله في خلقه أن يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من المسببات، سواء كانت داخلة في النواميس الكونية المألوفة لدى البشر أم خارجة عنها، ولا جدال في ذلك إلا المرتابون الذين هم في ريبهم يعمهون .
وقد أجاد الإمام محمد عبده في حديثه عن هذه المعجزة، وإن عهد منه الميل إلى تفسير الحقائق الغيبية بما يتلاءم مع السنن الكونية المعهودة عند الناس، وقد كرر هنا ما قاله في رسالة التوحيد، فهو أن الخوارق الجائزة عقلا – أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما – لا مانع من وقوعها وقدرة الله في يد نبي من الأنبياء وأنه يجب أن يؤمن بها على ظاهرها(15) ، ووصف المنكرين للمعجزات بأنهم من المتهورين، ونسب إليهم في تأويل هذه القصة أنهم يزعمون بأن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر، فإن البحر الأحمر رقارق إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدا يتيسر للإنسان أن يعبره ماشيا، ولما أتبعهم فرعون بجنوده ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم، وكان المد تفيض ثوائبه – وهي المياه التي تجيء عقيب الجزر – فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين فتحقق إنعام الله على بني إسرائيل بأن تم هذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم، وزعموا أن كونه ليس آية لموسى عليه السلام لا ينافي الامتنان به عليهم، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر – قال الإمام – ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه كالطود العظيم، وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن، فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء: ( فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم )، وهو الموافق لما في التوراة(16) .
ولخص صاحب المنار قول المؤولين