جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50

الجزء ٣ · صفحة ٢٥٦

طريق الآخرين.

والفرق الفصل إما بين الشيء الواحد حتى يكون شيئين، وإما بين الشيئين المتصلين حتى يكونا منفصلين، وإذا استعمل في الشيء الواحد كان بمعنى الشق، ففرق البحر إذا هو شقه ليتهيأ بين شطريه سبيل للسالكين.

واختلف في الباء في ( بكم ) ؛ قيل إنها للآلة، ومعنى ذلك أن الفرق حصل بسلوكهم، وعبر عنها بعض المفسرين بالاستعانة، وهو تعبير لا يليق بواجب الأدب مع الله تعالى، فإنه هو الذي أسند إليه الفرق، وهو أجل من أن يستعين بشيء، وإذا عبر عن هذه الباء بأنها للاستعانة إذا أسند الفعل إلى غيره فإن هذا التعبير يجب استبداله بما يتفق مع التأدب أما الربوبية إذا أسند إليه تعالى، وقيل: هي للسببية فتكون بمعنى اللام إذا ما قيل بجواز تعليل أفعاله تعالى لعدم الفرق بين قولك : فعلت هذا لأجلك، وقوله فعلته بسببك، إذ كان المخاطب هو الباعث على الفعل؛ وعند من يمنع تعليل أفعاله سبحانه فهي للسببية الشبيهة بالسببية الباعثة على الفعل في ترتبه على مدخولها وكونه هو المقصود به.

وذكر الألوسي أن الدامغاني نقل عن العرب أنهم يقولون : غضبت لزيد، إذا كان الغضب من أجله وهو حي، وغضبت بزيد، إذا غضبت من أحله وهو ميت، وأتبع ذلك الألوسي قوله: ( ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين )(25) .

وجوز أن تكون الباء هنا للمعية – ويعبر عنا بالملابسة – ومعنى ذلك أنهم كانوا بمعية الله تعالى عندما فرق البحر لينجوا من عدوهم أي كانوا محفوفين بنصره مشمولين برعايته، وهو معنى قول موسى عليه السلام الذي حكاه الله عنه : ( كلا إن معي ربي سيهدين )(26) .

واختلف في هذا الفرق فقيل كان خطيا أي من ضفة إلى أخرى، وقيل: كان قوسيا، أي رجعوا إلى الضفة التي خرجوا منها، وكانت بين مدخلهم البحر ومخرجهم منه جبال وأوعار لا يخشون بسببها أن يلحق بهم العدو من طريق البر، وهذا الذي اعتمده ابن عطية في تفسيره وقطب الأئمة في هيميانه وتيسيره(27) ،

١٬٠٣١ / ١٬٢٢٠