(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٧وبما ذكراه يندفع ما قاله الألوسي، وهو أن احتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا لأن الأعداء في أثرهم(28) . وأيد القطب – رحمه الله – القول بأن الفرق كان قوسيا بأنهم من الكثرة بحيث يحتاجون إلى سفن ترجع بهم إلى مصر لو أن الفرق كان خطيا ووصلوا إلى الضفة الثانية مع التئام البحر ورجوعه إلى حاله .
وكلامه هذا يشير إلى أنهم عادوا إلى مصر بعد أن أنقذهم الله تعالى وأهلك عدوهم، وهذا الذي ذهب إليه كثير من أئمة التفسير؛ قال ابن عاشور : ( وهذا وهم فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطور سيناء، وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم؟ )(29) .
وابن عاشور هو الواهم في هذا التوهيم، فإن القرآن صريح في أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ما كان خوله فرعون من قبل من جنات، وعيون، وكنوز ، وزروع، ومقام ، وهو نص في سورة الشعراء حيث يقول تعالى فيها : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل )(30) ، ويقول في سورة الدخان : ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين )(31) ، والقوم الآخرون هنا هم بنو إسرائيل قطعا لبيان ذلك في سورة الشعراء، وأولى ما فسر القرآن القرآن.
أما خروجهم إلى طور سيناء لتلقي التوراة واستمرار سيرهم بعده إلى الأرض المقدسة فقد كان بعد عودهم إلى مصر لينفلهم الله مخلفات فرعون وآله، إذ يستحيل أن يكونوا وارثين لها من غير أن يعودوا إليها. وفيما ذكرته الآية نعم متعددة ترتبت على فرق البحر فإن الفرق نفسه نعمة جلى إذ جاءت مخالفة لما استقرت عليه العادة وألف عند الناس من سنن الكون، وإنجاؤهم من عدوهم باجتيازهم البحر نعمة عظيمة مقصودة بالفرق، وإغراق عدوهم فيه عليهم نعمتان: أولاهما الأمن من شره، إذ لعله لو بقى حيا لأخذ يتتبع فلولهم، ويدبر