عجل السامري
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٤عجل السامري
وعندما ذهب موسى للميعاد انتهز بنو إسرائيل فرصة غيبوبته نازعين إلى ما هم عليه من لؤم الطباع وفساد الفطرة وانحراف الفكر، فألهوا عجلا جسدا له خوار، أخرجه لهم السامري ليضلهم عن سواء الصراط، قائلا لهم: ( هذا إلهكم وإله موسى فنسى )(1) أي نسى موسى أن هذا هو الإله فلذا ذهب إلى الطور لطلب مناجاة الإله، أو نسى السامري بأن هذا مجرد عجل لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، وأن ما جرى على يد موسى عليه السلام من المعجزات العظام أقطع حجة وأصدق برهان بأنه رسول رب العالمين الذي له ملك السماوات والأرض والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل؛ وعلى الأول فجملة (فنسى) من ضمن المحكي عن السامري، وعلى الثاني فهي رد من الله تعالى عليه، ونداء عليه بالسفه والضلالة، وقصة العجل ذكرت هنا عرضا لتذكير يهود المدينة بجرائر أسلافهم، وما قابلوا به نعم الله وآياته من الجحد والكفران، وإنما تفصليها فيما نزل من قبل بمكة في سورتي الأعراف وطه.
وذكر جماعة من أهل التفسير أنهم كانوا يعدون اليوم ليله ونهاره ليلتين فلما انقضت عشرون يوما، وهي عشرون ليله وعشرون نهارا زعموا أن موسى أخلفهم وعده فركنوا إلى ما دعاهم إليه السامري من اتخاذ العجل معبودا دون الله تعالى.
و(اتخذ) أصله منتزع من أخذ، وهو بوزن الفعل، فهو إئتخذتم واستثقلت الهمزتان فسهلت الثانية- وهي الأصلية- فانقلبت ياء، فاضطربت الياء في التصريف لعدم قرارها على حال، إذ تأتي ألفا في ياتخذ، و واوا في موتخذ، فأبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت فيها وأقرت همزة الوصل كما كانت حفاظا على عدم الابتداء بساكن في النطق، وهو يتعدى إلى مفعول، إن كان بمعنى ابتداء صنعه نحو (اتخذ لك سيفا)، وإلى مفعولين إن كان المقصود إليه وصفا المتخذ نحو:
( واتخذ الله إبراهيم خليلا )(2) ، وهو هنا