جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم )54

الجزء ٣ · صفحة ٢٧٥

قدماء النحويين أجازا ذلك وأنشدوا:

وقول امرئ القيس:

ولعل الذي سوغ التسكين في قراءة أبي عمر اجتماع ثقل الكسرة والهمزة مع توالي ثلاث حركات.

وفاء (فاقتلوا) للسببية كالتي قبلها، والسبب هو اتخاذ العجل إن قيل بأن القتل نفسه هو التوبة، وعليه فجملة (فاقتلوا) بدل من جملة (فتوبوا) أو التوبة إن قيل بأنه شرط من شروط صحتها، ككفارة الحنث، فإنها من شروط توبة الحانث وليست عينها، وهذا هو الأظهر لأن للتوبة أركانا معلومة تقدم ذكرها في تفسير قصة آدم، واختلفوا في حكم هذا القتل، قيل: بأنه خاص بهذه المعصية في هذه الواقعة بعينها، وقيل: بأنه تتوقف عليه توبة كل مرتد من بني إسرائيل حسبما شرع لهم، والأول هو الظاهر إذ لم يثبت أنهم أمروا بقتل أنفسهم في غير هذه الواقعة مع كثرة ما صدر عنهم من موجبات الكفر، كقولهم: ( إن الله فقير ونحن أغنياء )(5) .

وهذا الحكم يستحيل صدوره عن موسى عليه السلام من غير أن يستند فيه إلى وحي من الله لأن مما استقرت عليه العقول واتفقت عليه الشرائع وجوب المحافظة على سلامة النفس وبقاء حياتها إلا مع أسباب يستثنيها الشرع، وذلك بأن يكون القتل إما طهارة للنفس أو وقاية للمجتمع.

وقد تلقى بنو إسرائيل هذا الأمر بالامتثال لأنهم شعروا بفداحة ما ارتكبوه، وضلالة ما فعلوا كما قال سبحانه وتعالى فيهم: ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ) (6)

واختلف المفسرون في كيفية هذا القتل كما اختلفوا في العدد الذي وقع عليه القتل اختلافا كثيرا، قيل أمر عبدة العجل بأن يباشر كل منهم قتل نفسه بيده، وجمهور السلف على خلاف هذا القول حتى أن صاحب المنتخب حكى الإجماع على أنهم لم يؤمروا بقتل أنفسهم بأيديهم، وأنكر عليه أبو حيان في البحر المحيط دعوى الإجماع لوجود من قال بأنهم أمروا بمباشرة قتل أنفسهم من بين المفسرين، ولم ينفرد صاحب المنتخب بحكاية الإجماع في هذه المسألة، بل حكاه القرطبي أيضا، وقيل: بأن المراد

١٬٠٥٠ / ١٬٢٢٠