جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم )54

الجزء ٣ · صفحة ٢٧٤

ويطلق على الجماعة الجامعة للذكور والإناث، ومنه قوله تعالى: ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه )(3) ، فإن رسالته ليست خاصة بالذكور، وإنما هي شاملة لهم وللإناث، واختلف فيه هل هو من باب المشترك، أو أن حقيقته في الذكور، وإطلاقه على الذكور والإناث معا تغليب، وهذا هو الأظهر لأن الأصل عدم الاشتراك، وفائدة النص على أن قوله كان لقومه مع ابتداء خطابه بـ (يا قوم) التنبيه على أن هذا الخطاب ما كان بواسطة بينه وبينهم، بل كان منه لهم مباشرة.

وابتداء خطابهم بـ (يا قوم) مشعر بتلطفه بهم، وحنوه عليهم ليكون ذلك أدعى إلى تعاطفهم معه واستجابتهم لأمره، وقبولهم لنصحه، فإن من شأن الناس أن يكونوا أوثق بأبناء جلدتهم لا سيما في القضايا المشتركة والمصالح العامة.

وقد ابتدأ عليه السلام نصحه لهم بإيقافهم على فحش خطئهم، وإيقاظهم أنهم لم يظلموا به إلا أنفسهم، فإن مغبة ما ارتكبوا عائدة إليهم، وسوء ما عملوا حائق بهم.

واتخاذهم العجل إما تأليههم له وإما صنعه لأجل عبادته.

والفاء في قوله: ( فتوبوا )سببية لأن وجوب التوبة عليهم مسبب عن هذا الظلم الذي ظلموه أنفسهم باتخاذهم العجل.

والبارئ الخالق مع شيء من الفارق الدقيق في مفهوم اللفظين، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال؛ وقيل: الخلق دال على مطلق الإيجاد، والبرء هو إيجاد الشيء بريئا - أي خالصا- من وصمة التفاوت بين أجزائه، كطول إحدى اليدين مع قصر الأخرى، وكبر إحدى العينين مع صغر الثانية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت )(4) ، وأصله الانفصال، كما يقال: برئ من كذا، إذ تخلص منه، ومنه برئ المريض، وذلك أن الخلق فصلوا بهذا الإيجاد من العدم إلى الوجود.

وهمزة بارئكم مكسورة عند الجمهور، وسكنها أبو عمرو - وهو أحد السبعة- ولحنه أبو العباس المبرد زاعما أن التسكين غير جائز في حرف الإعراب في نثر ولا شعر، ورد بأن

١٬٠٤٩ / ١٬٢٢٠