جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه

الجزء ٤ · صفحة ٢٣

الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه

قد أنزل الله كتابه هدى للناس فيه الرحمة والخير وهو منهاج الإستقامة ومهيع السلامة ، ولا يخرج شيء منه في وضعه عن حكمة ربانية سواء أعلمها الناس أم لم يعلموها ، فإن العزيز الحكيم تتعالى أفعاله عن العبث ، وكل ما كان منه فهو لحكمة علمها تعالى .

وقد أدرك أولو الألباب ببصائرهم أن في تنوع التنزيل إلى محكم ومتشابه حكمًا شتى ، لذلك تسابقت ألبابهم في إستخراج هذه الحِكم وتسابقت عباراتهم من أجل إبرازها ، ومع هذا كله فإن علينا أن نؤمن أنه تعالى مع تنزهه عن العبث وعدم خروج شيء من أمره عن الحكمة لا يسأل عما يفعل ، فلا اعتراض لأحدٍ عليه ، وإنما نستجلي من حكمه تعالى في كل أمر ما يسنح للذهن ، وتطمئن إلى صحته النفس ، وتتفاوت القرائح في هذا حسب ما آتاها الله من مواهبه اللدنية وأفاض عليها من فتوحاته الربانية ، وإليكم بعض ما قيل في ذلك مشروحا بما فتح الله علينا من كريم فيضه :

1- الرفق بالعباد : فقد أنزل الله كتابه لإخراجهم من الظلمات إلى النور وانتشالهم من دركات الضلال ليرتفع بهم إلى ذروة الهدى ، فلو أنزله جميعًا متشابهًا لالتبست عليهم معانيه ، وحاروا في مقاصده ، وخارت عزائمهم عن سلوك نهجه والإستمساك بحبله ، ولو كان كله مُحكَما لما احتاجوا إلى استفراغ وسعهم واستنفار قرائحهم من أجل الغوص إلى أعماقه لإستلهام معانيه وكشف واكتشاف أبعاده ، وهم متعبدون بفهمه كما تُعبدوا بتطبيقه ، أما وقد جاءهم متشابهًا ومُحكمًا فقد يسر علهم علمه والعمل به بردهم متشابهه إلى مُحكمه ودرء ما عسى أن يلتبس على الأفهام من أمره فيحرزوا بذلك الأجرين ؛ أجر الاجنهاد في فهمه وأجر التكليف وفق هُداه في التطبيق والعمل ، على أن نفس الإيمان بأنه جميعًا من عند الله وأنه مبرَّأ من التناقض ومسلم من التدافع والتعارض

١٬١٩٧ / ١٬٢٢٠