وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٧الذي هو أدنى بالذي هو خير )، ويؤيده ما ذكر عقب ذلك أنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، وما هو إلا عقوبة هذا التعنت وضريبة هذه المكابرة، كما يؤيده ما اختتمت به الآية من تقرير كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير الحق، وما كانوا عليه من العصيان والاعتداء.
وهب الفخر الرازي إلى أنهم لم يعصوا قط بهذا السؤال، وعلل ذلك بأشياء:
أولها: أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره.
ثانيها: أنهم ربما كانوا في أصل خلقتهم غير متعودين على ذلك النوع، وإنما تعودوا سائر الأنواع، روغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل تربيته وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفا.
ثالثا: أنهم ربما لم يقصدوا بسؤالهم هذا نفس الأطعمة التي سألوهم ولكنهم ملوا البقاء في التيه فطلبوا ما لا يوجد فيه لقصد خروجهم منه إلى البلاد التي بها ما سألوه.
رابعا: أن إدمان الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة، والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الإلتذاذ.
وأكد الفخر ما ذهب إليه بأن القوم أجيبوا بما حكاه الله في قوله: ( اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم )، ولو سألوا معصية لما أجيبوا إليها، لأن الإجابة إليها معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء.
وتكلف الرد على أدلة الجمهور بسفسطات لا أجد داعيا إلى ذكرها(4).
وذهب أبو حيان مذهب الفخر، وأورد معاني كلامه من غير أن يغزوه إليه(5) . وهذا يتنافى مع ما قرره في خاتمة تفسير الآية الكريمة من أنهم تبرموا من الرزق الذي امتن به عليهم فلجوا في طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم، وأنهم وُبِّخوا على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس......الخ(6).
وتوسط ابن عاشور بين المذهبين، إذ اعتبر المحكي عنهم دالا على سوء اختيارهم في شهواتهم- والاختيار دليل عقل اللبيب وإن كان يختار مباحا- مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع