جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين )63 ,64

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٨

المحافظة، وهذا هو الإيمان الحق بما أنزل الله والقيام التام بحق الكتاب المنزل.

أما ما عنى به الناس من تلاوة الكتاب بأسجى الأنغام مع المحافظة على تجويد الحروف وإحكام مخارجها، وإتقان صفاتها فلا يعد ذلك توقيرا للكتاب مع إهمال أحكامه ونسيان أوامره ونواهيه، ولو كان توقير الكتاب ووفاء حقه بهذا الذي عنوا به فحسب لما كانت قيمته تتجاوز الأغاني والأناشيد التي يحرص أصحابها أن تصل إلى مسامع السامعين وأذواقهم بأشجى الألحان وأحسن الإيقاع، وكتاب الله أجل من ذلك وعن كل ما يتصورون، وقد أُنزل للتطبيق والعمل لا للتسلي واللهو .

و ( لعل ) تعليلية – كما سبق – مفادها أن اتقاء سخط الله وعذابه مرهون بذكر ما أنزل من كتابه.

والأصل في التولي أن يكون بالأجسام، وذلك بأن يعرض أحد عمن كان مقبلا عليه فيوليه ظهره، واستعمل مجازا في عصيان الأوامر والنواهي بعد بروز حجتها، كما استُعمل في ترك العمل بعد ممارسته، والآية كاشفه لخبيث النفوس اليهودية وانطماس بصائرها، فقد كان منهم هذا التولي بعد أن رأوا الآيات الواضحات، والمعجزات الباهرات، وما اختُصوا به من النعم السابغة والآلاء المتلاحقة، فقد بدلوا نعمة الله كفرا، ولم يطيعوا له أمر، فقتلوا النبيين بغير حق، وشوهوا وجه الكتاب الذي أتوه بالتحريفات الباطلة، والتأويلات الفاسدة، فكثيرا ما أضافوا إليه ما لم يكن منه، وانتزعوا منه ما علموا حقه وصدقه، لا لداع إلا إتباع الهوى، والحرص على حطام الدنيا، وإيثار الحماقة والجهل، وهذا من ضروب التولي المقصود بالآية.

وفضل الله فتحه لهم باب التوبة ورحمته توفيقية للتائبين وقبول توبتهم، وقيل: الفضل هو الإسلام، والرحمة هي القرآن، وهو المروي عن أبي العالية، وعليه فالخطاب لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا وروحا، وقيل: الفضل هو الهوى الذي انطوى عليه القرآن، والرحمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد أرسله الله رحمة للعالمين، وبنو

١٬١١٦ / ١٬٢٢٠