جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا ...وما كادوا يفعلون )67, 68, 69, 70, 71

الجزء ٣ · صفحة ٣٧٨

عنها الذل، وفي إثبات إثارتها للأرض إثبات لهذا النفي.

وذهب بعض المفسرين إلى جواز كونها تثير الأرض مرحا ونشاطا بقرونها وأظلافها، لا لأجل تهيئتها للحرث، وهو رأي سائغ ولكن القول الأول أنسب بنسق الكلام وأسبق إلى احتلال الأفهام.

والحرث هنا بمعنى المحروث كالزرع بمعنى المزروع، ومعناهما واحد.

وصفها بأنها ( مسلَّمة ) لتبرئتها من العيوب التي تكون في جنسها، وقيل: إن أهلها سلموها من الخدمة والاستعمال، وقيل: مسلمة من شوائب الحرام، فلا غصب فيها ولا سرقة، وقيل: مسلمة من الشيات، وعليه فقول: ( لا شية فيها )بيان لـ( مسلمة ) ، وعلى ما سبق صفة أخرى لبقرة، والشية مصدر وشى، كعدة وعظة، وبمعناه الوشى وهو خلط اللون بألوان أخرى، ولذلك سُمي به التطريز لأن من عادته أن يجمع بين ألوان مختلفة، ومفاده خلوص صفرة تلك البقرة بحيث لم تُشب بأي لون من الألوان الأخرى، وهو مما يندر جدا، ولذلك قال من قال إنها لم تكن من بقر الدنيا بل أنزلها الله من السماء، وقد أجاد الألوسي في وصفه هذا القول بأنه هابط في تخوم الأرض 6 وقيل: كانت بقرة وحشية، وهو – مع بعده – أقرب مما قبله.

وتتابع التأكيد بإن في قوله: ( إن الله يأمركم )وما بعده من خطاب موسى لهم المحكي هنا قاض عليهم بالغباوة البالغة والعناد المتناهي، إذ لو كانوا أولي فطنة وانقياد لكانوا في غنى عن مثل هذا الخطاب المتكرر المقترن في كل مرة بآلة التأكيد الذي لا يخاطب بمثله إلا من استحكم فيه الغباء، واستبد به التعنت.

واختيار البقرة للذبح في هذه القضية دون غيرها من سائر الحيوان – مع أن الله تعالى قادر على بعث ميتهم بما يشاؤه من الأسباب وبدون أي سبب – إما لتمحيص إيمانهم وابتلاء عزيمتهم فإن البقر عنصر مقدس بمقتضى عقيدة الكفر التي اعتنقوها حينما عبدوا العجل، فكان في ذبحهم لها تحقيق لتوبتهم مما كانوا فيه، وإما لكشف ما بهم من غباوة تثير استغراب من يسمع قصتهم ويقارن بين حاليهم؛

١٬١٣٦ / ١٬٢٢٠