جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا ...وما كادوا يفعلون )67, 68, 69, 70, 71

الجزء ٣ · صفحة ٣٨٠

موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض الناس في الكسب للبقر، ظنا منهم أن في علم النبي بهذه الأغراض الدينوية كمالا فيه، فلذا مدحوه بع البيان بقولهم: ( الآن جئت بالحق )، كما يقول الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال: الآن أصبت الجواب، ولعلهم كانوا لا يفرقون بين الوصف الطردي وغيره في التشريع، فليحذر المسلمون أن يقعوا في فهم الدين على شيء مما وقع فيه أولئك وذموا لأجله ) .(7)

وقد هيأ الله لهم البقرة الجامعة لما ذكر من الأوصاف: ( فذبحوها وما كادوا يفعلون )، وقد كان تيسيرها لهم فضلا من الله ورحمة، إذ اجتماع هذه الأوصاف جميعها في بقرة واحدة من الندرة بمكان، وقد بالغ المفسرون في تحديد ثمنها الذي بذلوه فيها، وجاءوا في ذلك بأقوال شتى حتى قال من قال منهم اشتروها بملء مسكها – جلدها – ذهبا، وقال بعضهم: بوزنها من الذهب، وقال آخرون: بأضعاف ذلك، وهي جميعا أقوال لم تعززها أدلة لعدم ثبوت شيء من ذلك عن المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، مثل هذا لا يوصل إليه إلا بالتوقيف، ولعلهم تلقفوا هذه الأقوال من أهل الكتاب، ويشهد له ما ساقوه من قصة طويلة عن البقرة وصاحبها إلي اشتريت منه، ليس إلى ذكرها من داع، ومهما يكن فإن ندرة هذا الوصف في البقر داع إلى أن يكون لها ثمن يتجاوز أثمان البقر المعتادة خصوصا عندما يعلم صاحبها ضرورتهم إليها فيشح بها عليهم استغلالا لحاجتهم، وما أوقعهم في ذلك إلا هذا العنت الطويل، وإثارة التساؤلات التي كانوا في غنى عنها لو أنهم سارعوا إلى الطاعة والامتثال، وكل ما ذكرته يستفاد من قوله تعالى: ( وما كادوا يفعلون )فإنه دليل على منتهى إبائهم ومبلغ عنادهم.

وكاد من أفعال المقاربة، ولعلماء البلاغة والإعراب فيما إذا جاءت منفية أو مثبتة بحوث واسعة ومداولات مشهورة، فكثير منهم قالوا هي معاكسة لسائر الأفعال فإثباتها نفي ونفيها إثبات، واعتبروا الآية دليلا على صحة ما قالوه، فهي هنا مُثبتة

١٬١٣٨ / ١٬٢٢٠