(الحمد للهِ رَبِّ العالمِينَ)
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦فإن مراده من هذا أن النعماء سخرت لهم يده يخدمهم بها ولسانه يثني عليهم به، والضمير المحجب يواليهم به وإذا القينا نظرة على هذا التعريف وجدنا بين الحمد والشكر عموما وجهيا فكل واحد منهما أخص من وجه وأعم من آخر أما الحمد فهو أخص موارد وأعم متعلقا لأن مورده اللسان وحده ومتعلقة النعمة وغيرها وأما الشكر فهو بعكس ذلك لأن مورده اللسان والقلب والجوارح ومتعلقة النعمة وحدها وهذا كما ذكرنا أن الحمد يكون على الفضائل كالشجاعة والكرم وغيرها وبعض العلماء جعل تعريف الشكر المذكور نفسه تعريفا للحمد العرفي فيكون بين الحمدين اللغوي والعرفي كالذي بين الحمد والشكر اللغويين من العموم الوجهي ولست أدري ما هي حجة هؤلاء في جعل الحمد العرفي أعم موردا من الحمد اللغوي بحيث يكون باللسان وغيره لما خلق لأجله وهو شائع نظرا إلى إن جميع آلاء الله تعالى تستدعي طاعته والقيام بحسن عبادته ويؤكد ذلك قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان/3) وقوله على لسان سليمان عليه السلام: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل/40) على إن بعض العلماء يرى أن الحمد لا يتصور أن يكون عملا لسانيا لا يشامله عمل القلب والجوارح لأن حمد المحمود باللسان وحده من غير استشعار معناه بالقلب ولا تصديق له بالجوارح يعد سخرية واستخفافا وأجيب بأن استشعار معنى الحمد بالقلب وتصديقه بعمل الجوارح شرطان له وليسا من جوهره ومما يستغرب منه دعوى القرطبي: أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان والشكر ثناء على المشكور بما أولى من