(الرَّحْمنِ الرَّحِيْم)
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤وقد أجمع علماء البلاغة على رداءة هذا التركيب فهل يصح أن يحمل عليه أو على مثله شيء من التركيب القرآني الذي يتعالى عن الضرورات ويعلو على كل العبارات وأما قول الله تعالى في فاتحة الكهف(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) فإن كل كلمة فيه قد جاءت في موضعها من غير تقديم ولا تأخير فإن الله سبحانه ابتدأ بنفي العوج عن كتابه ثم أكد هذا النفي بوصفه أنه قيم والتأكيد يأتي بعد المؤكد وقد اجتمع من نفي العوج عن الكتاب ووصفه أنه قيم نفي النقص عنه وإثبات الكمال له وإذا ألقينا نظرة على ترتيب كلمات الفاتحة الشريفة وجدنا كل كلمة جاءت في موضعها بحسب ما يقتضيه معناها وتصدير الفاتحة بعد البسملة بجملة(الحمد لله رب العالمين) أمر تقتضيه الرسالة التي بعث بها النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وبعث بها النبيون من قبله فإن رسالات جميع المرسلين تلتقي على الدعوة إلى توحيد الله تعالى(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) وقد كانت دعوة كل رسول يواجه بها قومه(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأعراف/59) فلا غرو إذا رأينا أم القرآن الكريم تصدر- بعد البسملة التي تشترك فيها مع غيرها من السور- بجملة تستأصل جذور الشرك والوثنية من قلوب العباد وتغرس فيها شجرة التوحيد الخالص كيف وقد جمعت الفاتحة مقاصد القرآن والتوحيد أسمى مقاصده وقد كان القرآن منذ بداية نزوله يواجه تلك الوثنية العاتية المتأصلة في نفوس العرب فما أنسب أن تكون بداية هذه السورة الكريمة معنية ببناء صرح العقيدة الصحيحة التي ترجع إليها جزئيات الأعمال في الإسلام، إذ ما من شيء من أعمال المسلم التي يطالب بها إلا وهو إما أن يكون مددا للعقيدة أو منبثقا منها، فالشعائر التعبدية كلها