(اهدنا الصراط المستقيم)
الجزء ١ · صفحة ٣٠١(وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) ( طه/50) وقوله: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) ( الأعلى/3).
وقد استظهر أصحابنا رحمهم الله من هذا أن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية بيان، وهداية توفيق، فهداية البيان تعم المؤمن والكافر ويحمل عليها نحو قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم) ، وأما هداية التوفيق فهي محصورة في المؤمنين، ويحمل عليها نحو قوله عز وجل: (أولئك الذين هدى الله) ، وهداية البيان يصح إسناد فعلها إلى غير الله تعالى كما في قوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) فإن المراد بهدايته صلى الله عليه وسلم إلى الصراط المستقيم دعاؤه إليه المقرون ببيان معالمه، أما هداية التوفيق فليست من مقدور البشر وإنما هي من مقدور القادر على كل شيء الذي يصرف القلوب كيف يشاء وإذا نظرنا إلى الآيات التي أوردناها وجدنا أن الهداية أوسع مدلولا وأكثر تشعبا مما ذكره أصحابنا فمدلولها يشمل هداية الدين وغيرها ومتعلقها الإنسان
المخاطب بهداية الدين وغيره من المخلوقات، لذلك أميل إلى ما قاله بعض أئمة التفسير في القديم والحديث في تفسير الهداية وتقسيمها إلى أقسام:-
الأول: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري وتكون للإنسان وغيره منذ الولادة فالمولود يشعر بحاجته إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته ويلهم امتصاص الثدي بمجرد وصوله إلى فيه.
الثاني: هداية الحواس والمشاعر وهي تتميم للهداية المذكورة في القسم الأول وهي أيضا مشتركة بين الإنسان وغيره، بل غير الإنسان أكمل فيها وفيما قبلها منه فإن حواس الحيوان وإلهامه تكمل له بعد ولادته بقليل أما الإنسان فإنه يتدرج فيها في زمن طويل، ولذلك لا تظهر عليه عقب الولادة علامات إدراك الأصوات والمرئيات وعندما يبصر لا يمكنه تحديد المسافات فيرى البعيد قريبا وتحدثه نفسه بأن يمد إليه يده وهذا الغلط في الحس لا ينفك عن الإنسان حتى بعد نموه وكماله ألا تراه