(صِرَاط الذِينِ أنْعَمْتَ عَلَيْهمْ)
الجزء ١ · صفحة ٣١٧رضا عما قال أستاذه أن في الإسلام من ضروب الهداية ما قد يعد من الأصول الخاصة به ويرى أنه مما يقتضي الاستدراك على ما قرره الأستاذ الشيخ محمد عبده، وذلك نحو بناء العقائد في القرآن على البراهين العقلية والكونية وبناء الأحكام الأدبية والعلمية على قواعد جلب المصالح والمنافع ودفع المضار ة والمفاسد ونحو بيان أن للكون سننا مطردة تجري عليها عوالمه العاقلة وغير العاقلة وكالحث على النظر في الكائنات لقصد العلم والمعرفة لما فيها من الحكمة والأسرار التي يرتقي بها العقل وتتسع بها أبواب تكميل لأصول الدين الثلاث التي بعض بها كل نبي مرسل لجعل بنائه رصينا مناسبا لارتقاء الإنسان والأصول الثلاثة هي الإيمان الصحيح وعبادة الله تعالى وحده وحسن المعاملة مع الناس ولا خلاف فيها في رسالات جميع المرسلين.
والإنعام أطلق في الآية الكريمة لأن من رزق نعمة التوفيق للخير فكأنما استجمع جميع النعم، والخير بأسره محصور في الإسلام فمن هدي إليه فقد جمع بين نعمة الحال والمآل وللعلماء رأيان في الكفرة هل يقال فيهم: إن الله أنعم عليهم أو يمنع ذلك؟ فالمعتزلة يجيزون هذا الوصف في غير المسلمين وأكثر علماء الكلام من غيرهم يمنعونه ونجد الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) يستدل للقائلين بالمنع بأنه لو جاز نحو هذا الوصف في غير المؤمنين لأدى ذلك إلى دخولهم ضمنا في قوله سبحانه: (الذين أنعمت عليهم) وهذا يقتضي جواز أن يقول الإنسان في دعائه(إهدني صراط من أنعمت عليهم من القوم الكافرين) ولما امتنع ذلك بالإجماع ثبت لدينا عدم صدق وصف الإنعام على غير المؤمنين وأنت إذا تدبرت ما جاء من تقييد في نفس هذه الآية الكريمة إتضح لك بطلان ما يقوله الرازي فإن قوله سبحانه(غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وصف تقييدي للمنعم عليهم، يخرج مما يقتضيه إطلاق لفظ الإنعام كل من لم يكن على طريقة أصحاب الصراط المستقيم المعنيين في الدعاء، ويدل على ذلك ما جاء