(غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠تحكيم العقل عند تعذر الوصول إلى الشرع حتى في الأمور العلمية ولهذه المسألة مباحث ليس من غرضنا استيفاؤها فمن أرادها فليطلبها من مظانها ككتاب الاستقامة للإمام الكدمي ومشارق أنوار العقول للإمام السالمي رحمهما الله.
الثاني: من بلغته الدعوة على وجه يؤدي إلى النظر فساق همته إليه واستفرغ جهده فيه ولكن لم يوفق إلى الإيمان بما دعي إليه وانقضى عمره وهو جاد في الطلب وهذا القسم لا يتكون إلا من أفراد متفرقين في الأمم ولا ينطبق على شعب بأسره من الشعوب فلا يظهر له أثر سلبي في أحوال شعب أو أمة وما يكون لهما من سعادة أو شقاء في الحياة الدنيا أما منزلة صاحب هذه الحالة في الدار الآخرة فقد نقل الإمام محمد عبده عن بعض الأشاعرة انه ممن ترجى له رحمة الله تعالى وعزا صاحب هذا الرأي مثله عن أبي الحسن الأشعري وعز الإمام محمد عبده إلى الجمهور- بناء على رأيهم- إن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي أنكر التنزيل واستعصى على الدليل وكفر بنعمة العقل روضي بخطة من الجهل.
هذا ملخص ما قاله في أصحاب هذا القسم ولكنني أستبعد حدا أن يتجه إنسان إلى الحق غير راغب عن شيء منه ولا مؤثر لهواه عن بعض ما يقتضيه الحق ويستلزمه الرشد مستخدما كل الوسائل الممكنة له في الوصول إليه، ثم يحال بينه وبينه لأن الله تعالى يقول: والله لا يخلف الميعاد فلا يتصور هذا بحال وإذا ضل الإنسان عن جملة الحق أو عن بعضه فما هو إلا نتيجة تقصيره في البحث أو اتباعه بعدما تبين له الهدى ومثل هذا لا يصح أن ترجى له رحمة الله لأن رحمة الله إنما هي للمتقين.
الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها فكانت عقائدهم نابغة من أهوائهم وهم أصحاب البدع المنحرفون في إعتقادهم عن هداية الوحي وهم الذين مزقوا شمل الأمة لإنحرافهم عن نهج سلفنا الصالح وأشار الإمام محمد عبده إلى طرف من آثار هؤلاء في الناس فذكر أن الرجل منهم يأتي إلى