الذين كفروا رانت الضلالة على قلوبهم
الجزء ٢ · صفحة ١٨٩كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما سبق عندهم من علم الكتاب، واستدل لذلك بأن ما قبل الآية كان ثناء على مؤمني أهل الكتاب، فكان جديرا أن يقفي ذكرهم بذكر أضدادهم وكشف سوء حالهم وبيان شر منقلبهم، لأنهم جميعا ينحدرون من سلالة واحدة، وإنما فرق بينهم الإيمان والكفر.
كما استدل له بما تتابع من بعد في السورة مع تقريع بني إسرائيل على كفرهم وتوبيخهم على ضلالهم، وكشف طوايا نفوسهم وتعداد مثالبهم في تاريخهم الطويل مع النبوات والأنبياء.
وأنت تدري أن استدلال ابن جرير بما ذكرنا على أن المقصودين في الآية كفار بني إسرائيل فحسب غير واضح، فإن القرآن الكريم كان يواجه بصوادع دعوته جميع المشركين على اختلاف طوائفهم وتباين مللهم، وكلمة ( الذين كفروا) تعمهم جميعا، فلا معنى لقصر مفهومها على بعض أفراد مدلولاتها بدون حجة، على أن مثل ما في الآية من الأخبار بعدم إيمان الكفار جاء في قوله تعالى من سورة (يس): ( وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)(1)، وقد نزلت بمكة قبل نشوب المعركة بين المؤمنين وأهل الكتاب، ولا نسلم أن ما قبل الآية من الثناء والوعد خاص بمؤمني أهل الكتاب، فقد مر بك ما يكفيك حجة ودليلا أن الثناء والوعد في الآيات السابقة شاملان لكل المؤمنين من غير تمييز بين من كان قبل على ملة كتابية أو على طريقة جاهلية.
كما أن تعنيف أهل الكتاب في السورة وتعداد مثالبهم ليس دليلا على أنهم وحدهم المعنيون هنا، والذي يدل عليه اللفظ ويقتضيه السياق أن المعنيين كل من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصر على كفره إلى أن مات، فهؤلاء لا تنجح فيهم الدعوة ولا تتخلل نفوسهم الموعظة، فهم الحقيقيون بهذا الوصف والجديرون بهذا الوعيد.
هذا وتأول بعض المفسرين (الذين كفروا) بمعنى الذين قضي عليهم بالكفر والشقاء، وجعله نظير لقوله سبحانه: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون)(2)،وهو تأويل غير مقبول لأن اللفظ لا يقتضيه