جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لا يكلف الله إلا بما في وسع المكلفين

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٣

المحال على كل واحد من هذه الأقسام حقيقة ومطابقة في بعضها، والتزام في البعض ومجازا في البعض.

وأطلق عليها عدم المقدور كذلك، كما أطلق الجواز على الإمكان وعلى الإمكان للحكمة، وعلى الوقوع، فكان ذلك منشأ الاختلاف الذي ملأ الفضاء حتى جاء من فتح إغلاق الإشكال بمفاتيح التحرير، فتبين أن الجواز الإمكاني ثابت لأن يفعل ما يشاء لو شاء، وثبت أن الجواز الملائم للحكمة منتف عند الطائفتين وإن اختلفنا في تفسير الحكمة، لاتفاق الكل على أن فائدة التكليف تنعدم إذا كان المكلف به متعذر الوقوع، وثبت أن الممتنع لتعلق العلم لعدم وقوعه مكلف به جوازا ووقوعا، وجل التكاليف لا تخلو من ذلك، وثبت ما هو أخص وهو رفع الحرج الخارجي عن الحد المتعارف تفضلا من الله تعالى لقوله: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج) (3). وقوله: ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (4)، أي لا تطيقونه كما أشار إليه ابن العربي في الأحكام. انتهى المراد من كلامه بتصرف.

ولا يماري عاقل في أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأن جميع أفعاله عدل لا يوصف شيء منها بالظلم والجور، ولكنه سبحانه أخبرنا بعدم تكليفه إلا بما في وسع المكلفين، فليس لنا أن نتجاوز ذلك فنصفه بما يخالفه.

ومن المعلوم أن الله هدى كل أحد السبيل وفتح لكل من شاء أبواب الرشاد، فانحراف الإنسان إلى مسالك الغواية ليس بسبب حيلولة القدر بينه وبين الرشد، وإنما هو باستحباب نفسه، كما أخبر الله عن ثمود بقوله: ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (5)، والله يعلم ما اشتملت عليه طوايا الأنفس وحنايا الضمائر فلا غرو في إخبار عمن أخبر عنه بعدم الإيمان مع دعوته إليه، إذ الخبر إنما هو عما علمه الله من هوى نفسه وميولة رغبته.

وبهذا يندفع الاعتراض الذي تصوره الإمام ابن عاشور في دعوة أمثال هؤلاء إلى الحق مع العلم بعدم استجابتهم، ولا داعي إلى ما أجاب به من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد أحدا

٥٤٠ / ١٬٢٢٠