العبودية لله أرقى درجات التكريم
الجزء ٢ · صفحة ٣٦١معنى لما يقوله البعض من أن لفظة مثل زائدة كزيادتها في (ليس كمثله شيء)(5)، على رأي بعضهم لأن ذلك يفضي إلى أن المراد فأتوا بسورة منه، مع أن المطلوب منهم أن يعارضوا القرآن بشيء يشبهه، كما كانوا يدعون بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا، وإنما قلنا بفرض المثلية دون حصولها، ليتفق ما هنا مع ما في قوله تعالى من بعد ( ولن تفعلوا)، وقوله ( لا يأتون بمثله)، وفرضها مبني على اعتقاد المخاطبين، وما كانوا يمنون به أنفسهم في دحض حجة القرآن وسوق الكلام مساق التعجيز والتحدي شاهد على عدم وجود المثل، وانتقد أبو حيان الزمخشري في جعله المثلية مفروضة، مع أن ذلك لا يتأتى إن أعيد الضمير في " مثله" على المنزل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، لوجود عدد كبير في العرب ممن يشبهه في الأمية، وكذلك إن أعيد الضمير على المنزل، لوجود الكلام البليغ فيما تنطق به العرب، وهو يجعل المماثلة حاصلة له من بعض الوجوه.
وليس فيما قاله الزمخشري موضع للنقد: أما أولا فقد بنى مذهبه على ما اختاره سابقا من عود الضمير في مثله إلى المنزََّل، وهذا الذي اختاره أبو حيان نفسه وعزاه إلى الأكثرين، ومن المعلوم أن التفريغ يجب أن لا يخرج عن منهج التأصيل.
وأما ثانيا فلأن البلاغة وحدها لا تكفي لعد سائر الكلام العربي البليغ مماثلا للقرآن، لما علمته من اختصاص القرآن بروح بيانية غيبية لا توجد في أي كلام آخر، ولولاها لم يكن لفرسان البلاغة العربية أن يقفوا مشدوهين أمام معجزته، متحيرين من ترتيب حروفه، ورصف كلماته بطريقة تجعل كل حرف وكل كلمة ينبضان بحياة لا توجد في سائر الكلام، وقد سبق شرح ذلك في الإعجاز البياني وهو يعني أن البلاغة المتيسرة للكلام العربي لا تكفي لأن ترفع ذلك الكلام إلى هذا المستوى الرفيع.
وبناء على القول بعود الضمير على " عبد" فالمراد بالمثلية أن يكون مثله في صفة الأمية التي من شأنها عدم اتساع الأفق العلمي والمعرفة بأحوال الأمم،