العبودية لله أرقى درجات التكريم
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٣وأما في سورة يونس فقد اكتفى بالتحدي بسورة واحدة؛ في مقام الرد على قولهم افتراه لعدم التقييد بكونها مفتراه، لا لأجل التخفيف عنهم بالواحدة بعد عجزهم عن العشر، وعليه فيقتضي ذلك انطواءها على خبر الغيب والتزامها بالصدق، وفي هذه السورة التي أعادت هذا التحدي في مواجهة اليهود بالمدينة المنورة بعدما تكرر بمكة المكرمة، كان التقييد في المطالبة بالإتيان بسورة مشتملة على ما تشتمل عليه سور القرآن من مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في أميته لأجل أن اليهود لم يكونوا يعدون التحدث عما جاءت به الرسل من الغيوب، فكأنهم طولبوا بالإتيان بذلك من رجل أمي كالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذه خلاصة تفرقته، ورأي الجمهور أوضح حجة وأقوى دليلا، لما علمته من أن المقصود بيان عجز الناس- ولو تضافرت جهودهم وتظاهرت قواهم- عن محاكاة القرآن، وقد سبق لك أن الأسلوب القرآني وحده كان كافيا في تبكيت العرب وإقامة الحجة عليهم بأن البيان الذي تحدوا به لم ينشأ عن ملكة بشرية، وإنما هو نداء غيبي، يخرس صوت كل معاند، ويستأصل شبهة كل مشاقق، ويهدي أولي البصائر إلى سواء السبيل، وذلك مع غض النظر عن محتواه من الغيوب وغيرها، وأخبار النبوات وإن كانت هي من ضروب إعجازه فإنها لم تكن هي المبكتة لطواغيت الجاهلية الذين لم يكونوا يؤمنون بالنبوات، ولا يصفون هذه الأخبار إلا بكونها أساطير الأولين، ولو كان التحدي في مكة المكرمة بمضمون القرآن دون لفظه لكان في ذلك مجال للكفار بأن يلفقوا بعض الأساطير الكاذبة، ويوهموا أتباعهم بأنها نظيرة ما في القرآن، إذ لا حكم يحتكم إليه في مثل هذه الأمور عندهم، بخلاف البلاغة فإن الحكم فيها الذوق والوجدان، والكل مشتركون فيهما، وعدم التقييد في المطالبة بالإتيان بكون الآتي مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمية أبلغ في