العبودية لله أرقى درجات التكريم
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٤التحدي وأوغل في التبكيت لما فيه من إفساح المجال للمعارضة وإرخاء العنان للمعارضين، وليست في " من" دلالة على ما قاله الأستاذ الإمام، لأنها موضوعة لابتداء الغاية غالبا، وإذا كانت السورة المطلوبة منهم مؤلفة من كلام مثيل لما في القرآن لم تخرج " من" عن هذا المعنى الذي وضعت له.
والشهداء جمع شهيد، وهو الذي يقتضيه القياس، وحمله بعضهم على أنه جمع شاهد كعالم وعلماء، وهو مأخوذ من شهد إذا حضر، كما في قوله تعالى ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (1)، واستعمل بمعنى النصير لأن الشاهد يناصر المشهود له بشهادته، والمراد بالشهداء هنا نصراؤهم من الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، والمراد بدعوتهم استحضارهم لأجل مناصرتهم كما هو شأنهم في اللجوء إليهم من دون الله تعالى.
وأفاد الإمام ابن عاشور بأن في الآية إدماجا لأنها جمعت بين تعجيزهم عن المعارضة وتوبيخهم على الشرك، وهو من أفانين البلاغة ويحتمل أن يراد بالشهداء نصراؤهم من أهل البلاغة، وهو أبلغ في التعجيز لما في ذلك من حضهم على استنفار جميع أصحاب الملكات البيانية، ويعضده قوله تعالى: ( ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) .
وروي عن ابن عباس والسدي، ومقاتل والفراء، أن المراد بهم الذين يشهدون لهم عند الله في زعمهم، وهو كالقول الأول لأن اتخاذهم الآلهة من دون الله إنما هو لأجل تقريبهم إليه كما يقتضيه قوله تعالى حاكيا عنهم: ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (2)، وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بهم الذين يشهدون لهم بمماثلة ما جاءوا به للقرآن، فإنهم لو احتكموا إلى أرباب الصناعة البيانية ممن هم على مثل اعتقادهم، وجاءوا بما يزعمون أنه مثل القرآن ما كانوا ليشهدوا لهم، فإن من شأن البارعين في الصناعة الأنفة من أن يسجل عليهم تصحيح فاسدها أو تزييف صحيحها، وقد جرت العادة عند العرب إذا ما تنافرت أن تحتكم إلى عقلائها، وكان المحتكم إليهم يحرصون على تنزيه ساحتهم من نسبة