جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

العبودية لله أرقى درجات التكريم

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٠

تقدم من أن بعضهم يرى أن قول الصحابي في التفسير له حكم الرفع، وهذان الصحابيان الجليلان معدودان في مقدمة الصحابة في فن التفسير، رواية ودراية، وقد سبق أن كثيرا من العلماء يرون مثل هذا القول لا يعدو أن يكون موقوفا على الصحابي المنسوب إليه، ومن ثم عول أصحاب الرأي الأول على ما دلت عليه آية الأنبياء من معنى، وتعضده النصوص الدالة على أن المجرم يعذب يوم القيامة بآلة إجرامه، كقوله تعالى: ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (3)، وقوله صلى الله عليه وسلم: " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا…" ويمكن الجمع بين الرأيين بأن تلك الحجارة نفسها تتحول إلى حجارة ذات طبع كبريتي، وذكر الناس والحجارة لا ينافي أن يكون لهذه النار وقود غيرهما، فالشياطين ومردة الجن تشتعل بهم كما تشتعل بكفار البشر والعياذ بالله.

وهذه النار إن كانت خاصة بالكفار المشركين فلسائر أهل الكبائر نيران أخرى يعذبون بها، وإن كانت عامة لهم ولغيرهم فقوله: " أعدت للكافرين" ما هو إلا لمزيد التنفير من الكفر والتحذير من الدنو منه، وأي كفر أعظم من كفر الذي يتعامى عن آيات الله، ويتصامم عن دعوته مع ظهور حجتها وإشراق نورها، وإن أعظم حجة على صدق هذا القرآن المنزل من عند الله هذا العجز البشري طوال القرون الخالية عن الإتيان بشيء من مثله، لا سيما في ذلك العصر عندما كان المسلمون قلة مضطهدين، ولم تكن لدى الكفار حيلة لإسكات هذا الصوت إلا اللجوء إلى العنف والإرهاب دون معارضته بصوت من مثله.

ولرب قائل يقول: لا يبعد أن يكونوا قاموا بالمعارضة وأتوا بمثل القرآن في روعة بيانه وجمال أسلوبه، وإنما نفوذ

٧٠٦ / ١٬٢٢٠