العبودية لله أرقى درجات التكريم
الجزء ٢ · صفحة ٣٧١المسلمين في العرب هو الذي قضى على ما جاءوا به، وقد سجل التاريخ محاولة مسيلمة وغيره للقيام بهذه المعارضة؛ والجواب عن ذلك أن هذا التحدي لم يكن بعدما كانت أزمَّة الأمور في جزيرة العرب بأيدي المسلمين، وإنما بدأ بمكة المكرمة والجاهلية في أوج قوتها وعنفوان جبروتها، وكان العرب على اتصال ببعض ممالك الفرس والروم، فلو أنهم جاءوا بشيء مما طولبوا به لطاروا بذلك فرحا ونشروا خبره في الآفاق وسجله التاريخ، وبقي محفوظا لدى الأمم التي كان تكيد للإسلام وتناوئ القرآن، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، أما ما جاء به مسيلمة ونظراؤه فقد كان من السخف بحيث يربأ اللبيب بنفسه عن نسبته إليه، وإذا كانت المعارضة قد تعذرت على قريش وهي ذؤابة العرب، ومنبع البيان، وأساتذة البلاغة، فأحرى بغيرهم أن تتعذر عليه.
وإعداد الشيء تهيئته والنار مهيأة للكفار بما أعد فيها من صنوف العذاب وبنفس الإضرام الذي هو أكبر سبب لتعذيبهم، واستدل بالآية على أن النار قد خلقت وهيئت لاستقبال أهلها وكذا الجنة وهو قول جمهور الأمة، وذهب أكثر المعتزلة وبعض أصحابنا كأبي المؤثر وأبي سهل الفارسي وابن أبي نبهان إلى أنهما لم تخلقا إلى الآن وإنما تخلقان يوم القيامة، وعزا ابن عطية هذا القول إلى المنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وعده سقوطا منه، والمسألة ليست من مسائل الدين القطعية لاحتمال أن يكون قوله: ( أعدت للكافرين) ومثله في الجنة ( أعدت للمتقين) محمولا على الإخبار عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه، نحو قوله تعالى: ( ونفخ في الصور)(4)، وآيات أخرى.
وإنما يترجح القول بأن الجنة والنار قد خلقتا بالأحاديث الصحيحة الناصة على ذلك، وإنما جعلتها مرجحة ولم أجعلها قاطعة لأنها لم تبلغ التواتر اليقيني الذي يفيد العلم القطعي لأن قصة آدم عليه السلام وإسكانه الجنة ثم إخراجه عنها؛ لا تفيد إلا الترجيح فقط للخلاف الموجود بين علماء الأمة هل تلك الجنة هي جنة الخلد أو