( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات...)(25)
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٤بين المتعاطفين ما بينهما من التقابل، وسمى السيد هذا العطف عطف قصة على قصة، وسبق الحديث عنه في قوله عز وجل: : (ومن الناس من يقول آمنا بالله.. ) "الآية".
واختلف من أين تبدأ القصة المعطوف عليها، فذهب السيد الجرجاني إلى أن بدايتها قوله: "وإن كنتم .." وذكر الألوسي عن بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة، وأدعى لتلاؤم النظم لأن بداية الكلام وهي: "يا أيها الناس اعبدوا" شاملة لفريقي المؤمنين وغيرهم، ثم خوطب غير المؤمنين بقوله" وان كنتم" وهو خطاب يتضمن الإنذار وعطف عليه خطاب المؤمنين بقول: " وبشر.." ومعناه البشارة المقابلة لما في خطاب الطائفة الأولى من الإنذار، ومعنى ذلك أن الله سبحانه أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس جميعا إلى عبادة الله، ثم أمره أن ينذر المعاندين ويبشر المؤمنين، وذهب السعد التفتازاني إلى أن بدايتها من قوله: ( فإن لم تفعلوا) لأن السياق لوصف حال الكفار وبيان منقلبهم، وهذا هو الذي يتلاءم مع ما اخترته من قبل وهو أن الخطاب في قوله: ( وإن كنتم) يتوجه إلى جميع الفئات المخاطبة بقوله: ( يا أيها الناس)، وجوز الزمخشري أن يكون العطف على: "اتقوا" واعترض من وجهين:
أولهما: أن العطف يقتضي جواز حلول كل من المعطوف والمعطوف عليه محل الآخر، ولا يجوز حلول بشر مكان اتقوا.
ثانيهما: أن الأمر لا يعطف على أمر آخر مع عدم اتحاد المأمور إلا مصحوبا بالنداء كما نص عليه النحويون.
ويدفع الأول أن المتعاطفين لا يشترط جواز تعاقبهما بحيث يحل المعطوف مكان المعطوف عليه،والدليل عليه قوله تعالى : ( الذي خلقكم والذين من قبلكم)، حيث عطف الاسم البارز – وهو الموصول- على الضمير المتصل، ولا يصح تقديم الموصول وعطف الضمير عليه بالإجماع، وقد ورد نحوه كثيرا في القرآن، وكذا في الكلام العربي الفصيح منثوره ومنظومه، كما يدل عليه قولهم: "رب رجل وأخيه لقيتهما" مع عدم جواز تقديم أخيه على رجل بالإجماع في هذا