جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات...)(25)

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٥

المثال، لما يترتب عليه من عدم وجود معاد للضمير، ودخول رب على المعرفة وهي لا تدخل إلا على النكرات، وهذا الذي ذكرته يغني عما أجاب به بعضهم من أن كلا من " اتقوا" و"بشر" مترتبان على أمر واحد وهو ظهور معجزة القرآن وتكذيب المعاندين بها، وتصديق المؤمنين، والتكذيب هو الذي ترتب عليه الوعيد، كما أن التصديق هو الذي ترتب عليه الوعد.

وأجيب عن الثاني بأن جواز عطف أمر على أمر مع اختلاف المأمورين حال النداء؛ لظهور المراد بكلا الأمرين بقرينة النداء، دليل على جواز ذلك عند وضوح المراد بأية قرينة أخرى، ويدل عليه قوله تعالى: ( يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك)(1) ، فإن القرينة هنا ما دخل على الأمر الثاني من علامة التأنيث،ومثله التفاوت بين الأمرين هنا، فأولهما جاء بصيغة الجمع، وثانيهما بصيغة الإفراد، وذلك كاف في الدالة على ما يراد بكل منهما.

ومن التكلف الظاهر تجويز السكاكي في المفتاح كون "بشر" معطوفا على قل مقدر قبل "يا أيها الناس اعبدوا"، ومثله قول القزويني في الإيضاح أنه معطوف على أنذر مقدر بعد " أعدت للكافرين " أي فأنذر الذين كفروا، وبشر الذين آمنوا، ولست أدري ما الداعي إلى حمل القرآن على هذه المسالك الملتوية مع وضوح الوجه الأول الذي قاله الزمخشري، وعدم تعذر الوجه الثاني وإن ذهب السيد الجرجاني إلى أن مذهب القزويني أصح المذاهب بعد الوجه الأول مما في الكشاف.

والتبشير الإخبار عن المحبوب، فهو مضاد للإنذار، واشترط بعضهم عدم علم المبشر بالنبأ السار الذي يبشر به، وهو الذي اعتمده الزمخشري، وعليه فمن حدث أحدا حديثا يسره، والمحدَث عارف به فهو إخبار وليس بتبشير، والصحيح أنه تبشير على كلا الحالين، لأن الله سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم هنا أن يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالجنات ونعيمها، مع أنه تقدم في القرآن المكي تبشيرهم بذلك، فهم ليسوا على جهل بما به يبشرون وإنما يزدادون بتجديد التبشير

نشاطا في السعي إلى الخير وتوقيا من الوقوع في المهلكات.

٧١١ / ١٬٢٢٠