نعم الله توجب شكره
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٧نعم الله توجب شكره:
وقد أثير الاستغراب من كفر هؤلاء بالله تعالى مع تضافر الأدلة على وحدانيته وتوفر الدواعي إلى شكره، وأبرز ذلك إخراج الإنسان من العدم إلى الوجود ونقله من الموت إلى الحياة، فقد كان ميتا لأن عناصره كانت منبثة في طبقات الأرض الجامدة والسائلة والغازية، ثم أخذت تتدرج في الأطوار، وتنتقل إلى أن كوََّن الله منها الغذاء الذي تكون منه الدم فحول الله منه ما يشاء إلى مني دافق يتدرج هو أيضا بعد استقراره في الرحم من طور إلى آخر حتى يخرج منه هذا الكائن الذي نفخ الله فيه من روحه، وأفاض عليه من نعمه، وأكمل حواسه ومشاعره وبوّأه- بما اختصه به من مزية العقل والعلم- مكان الخلافة في الأرض والسيادة في الكون فإن تفكيره في أمره داع إلى الإيمان والشكر فجدير بالاستغراب منه إخلاده إلى الكفر واتباعه مسالك الضلال، وهو معنى ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة- رضوان الله عليهم- أنهم قالوا في تفسير الآية: " كنتم أمواتا" أي ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة أخرى.
وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى: ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) وهو مروي عن أبي العالية والحسن ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخرساني.
وإطلاق الموت على ما لم يسبق له الحياة قبل هو حقيقة، وقيل مجاز، وفرق آخرون بين ما كان من شأنه الحياة كالحيوان والنبات، وما كان بخلاف ذلك كالجماد، وعلى هذا الاختلاف يتخرج الاختلاف هنا. وللحكماء في تفسير الموت نظريات عول عليها بعض المفسرين ولا أرى التعويل عليها لأن الله هو الذي خلق الموت والحياة وهما من أسرار غيبه التي لم يعرِّفنا بها، ولم يكن قول الحكماء صادر عن قواعد ثابتة، وإنما عولوا على مجرد