جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإنسان سيد الأكوان وخليفة في الأرض

الجزء ٢ · صفحة ٤٣٠

الإنسان سيد الأكوان وخليفة في الأرض:

وبعد تقرير مبدأ الإنسان ومصيره، ينتقل السياق إلى بيان منزلته وإعلان قيمته في موازين الله، فهو بمقتضاها ليس عبدا للمادة، بل هو سيد لها، لأنها خلقت له وسخرت لمصالحه، ومن هنا تختلف قيمته في الإسلام عن قيمته بحسب معايير العالم المادي؛ شرقيه وغربيه، وبموجب نظاميه الرأسمالي والاشتراكي، إذ قيمته بحسب النظرة المادية قيمة هابطة ليس له فيها أدنى تكريم، كيف وعجلة تطوره مربوطة بالتطور المادي، فلا يقاس تقدمه أو تأخره، ولا رقيه أو انحطاطه إلا بالمقاييس الترابية المضطربة فهو بموجب ذلك لا يختلف عن الآلات الصماء التي إذا استهلكت ألقيت مع الحطام والنفايات.

والإسلام في نظرته إلى الإنسان لا يختلف مع النظرة المادية إليه من هذه الناحية فحسب بل يرفع قدره ذلك كله؛ باعتباره خليفة في الأرض وسيدا في الكون، ولذلك خص بأن خلق الله له ما في الأرض وسخر له ما في الوجود، وذكر هذه النعم عليه في هاتين الآيتين هو توطئة لما تأتي به الآيات من بعدها من قصة هذا الاستخلاف.

وفصل هذه الآية عن التي قبلها إما لأنها أريد بها تأكيد ما تقدم، والتوكيد لا يعطف على المؤكد، وذلك باعتبار أن خلق ما في الأرض لهم هو إكمال لإيجادهم المعبر عنه بـ"أحياكم" لضرورتهم إلى ما يكون مددا لهذه الحياة، وإما أن يكون امتنانا عليهم بالنعم لدمج التسجيل عليهم بكفر النعمة مع سرد الأدلة الداحضة لكفرهم بالله تعالى.

وقد سبق معنى الخلق وحمله بعض المفسرين هنا على التسخير، وهو الذي أخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وأخرجاه مع عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن مجاهد.

وخلق جميع ما في الأرض للناس، أي لينتفعوا به إما منفعة عاجلة وإما منفعة آجلة، ولله تعالى أسرار في تكوين الأشياء حتى التي تتبادر إلى الأذهان مضرتها؛ فإنها قد تنطوي على منافع تتكشف للناس ولو

٧٦٦ / ١٬٢٢٠