جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون(28) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم(29)).

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٥

يكن ذلك محصورا في اليهود كما ذهب إليه ابن عاشور، مستدلا بوصفهم أنهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه إلى آخره. لأن هذا الوصف ينطبق على جميع الكفار، فقد وصف الله به قريشا في سورة الرعد حيث قال: ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)(6).

أما مناسبة اتحاد العلل التي اقترن بها الأمر بالعبادة في قوله: " يا أيها الناس" وإنكار ضدها وهو الكفر في قوله هنا " كيف يكفرون" فهي لا تدل على ترابط الخطابين لأن هذه العلل صالحة لأن يقرن بها كل كلام يدعوا إلى العبادة والإيمان. أو يحذر من الكفر والعصيان.

و" كيف" موضوعة للاستفهام وهو طلب الفهم غير أنه متعذر لأن العليم بخفيات الأمور ليس من شأنه الاستفهام، وإنما هي بمعنى الانكار والتوبيخ والتعجيب، وذلك أن المنكر عندما يطلب الجواب من المنكر عليه في أمر بين فساده إنما يريد بذلك قطع عذره، وكثير من المفسرين تسامحوا فقالوا إنها هنا بمعنى التعجب، وحقيقة التعجب مستحيلة على الله تعالى لأنه لا ينشأ إلا عن الجهل، واللائق بالتأدب مع الله أن يقال إنها للتعجيب؛ أي لحمل السامعين على التعجب، اللهم إلا إن قصدوا بالتعجب التعجيب لما يكون أحيانا من التعاقب بين التفعل والتفعيل لما بينهما من رباط السببية.

والأصل في الاستفهام بكيف أن يكون عن الحال وكذا إن استعملت في الانكار ونحوه إلا أن إنكار الحال يقتضي إنكار ما تلبس بها بطريق البرهان، فالمنكَر هنا نفس الكفر لأنه لا بد أن يكون على حال من الأحوال، وهو منكر على أي حال، لأن الدواعي متضافرة على خلافه، وقد سبق الحديث عنه وعن نقيضه- الإيمان- فلا داعي إلى التكرار.

------------------------------

1) التحرير والتنوير حـ1، ص373، الدار التونسية للنشر

2 ) سورة آل عمران الآية "181".

3 ) سورة المائدة الآية "64".

4 ) سورة المائدة الآية "18".

5 )سورة

٧٦١ / ١٬٢٢٠