الإنسان سيد الأكوان وخليفة في الأرض
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٦ويسمى هذا بالترتيب الرتبي وبترتب الإخبار، ولأجل شيوعه صار كالحقيقة حتى قال من قال بأنه هو الأصل في عطف الجمل بثم، ومن الذين اعتمدوا على هذه القاعدة في الجمع بين ظواهر هذه الآيات المذكورة الإمام ابن عاشور، وقد أطال في تحريرها وإيضاح مبهمها، وتفصيل مجملها بما لم يسبق إليه، ومن يرد إحراز هذه الفوائد فليرجع إلى تفسيره(7).
وبالجملة فإن العطف بثم في هذه الآية إما لأن المعطوف عليه أجدر بعناية السامع، فإن تسوية السموات على عظمها أعظم من خلق الأرض، فإنها لو قيست بسعة الفضاء الفسيح وما يسبح في خضمه من الأجرام الهائلة لما كانت إلا كالذرة المهينة العائمة في عباب الهواء، وإما للانتقال من التذكير بنعمة معلومة بديهيا، وآية شاهدة للعيان، وهي خلق الأرض لنا إلى نعمة وآية يحتاج العقل إلى التدبر فيها حتى يدرك قبح الكفر بالخالق العظيم، فإن الإنسان يدرك بدون أي تفكير حاجته إلى الأرض واضطراره إلى ما أوجده فيها من المنافع لقوام حياته وسد ضروراته، أما ضرورته إلى ما في الكون الأعلى من مخلوقات الله فتتوقف معرفته بها على الإمعان والنظر حتى يوصل إلى إدراك الارتباط بين الأجرام الفضائية وبين الأرض التي هي قراره بسنة الجاذبية التي جعلها الله تعالى سببا للاستقرار على هذه الأرض وإمكان الحياة فيها.
ومما يؤكد أن "ثم" هنا لا تدل على المهلة الزمنية- حتى يستدل بالآية على أن الأرض مخلوقة قبل السماء- عدم عطف خلق السموات على خلق الأرض، وإنما عطفت خلق السموات على خلق ما في الأرض، ومن المعلوم أن خلق المنافع الأرضية يتجدد دائما ولا يتوقف في وقت من الأوقات فمن الضرورة أن يكون خلقها مسبوقا بخلق السموات وإن قيل بتقدم خلق الأرض قبل خلق السموات.
والذي أختاره عدم الجزم بشيء في ذلك أو ترجيح رأي على آخر لعدم توفر دليل سمعي على صحة أي رأي- كما علمت- أما النظريات الحديثة فلا وجه للإستناد عليها في مثل هذه الأمور لما