جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

العلم لله وحده

الجزء ٣ · صفحة ٤٤

العلم لله وحده

وفي هذا الجواب من الملائكة تعليم لغيرهم أن يقفوا عما أشكل عليهم ، ولا يدعوا علم ما لا يعلمون ، وأن يردوا علم كل شيء إليه سبحانه وتعالى ، فإن العلم له وحده ولا يصل إلى الناس شيء من علمه إلا ما أفاضه عليهم بمشيئته ولطفه ، وإذا كان الملائكة - وهم في الملأ الأعلى يطلعون على ما لا يطلع عليه البشر من أسرار خلق الله تعالى - قد تبرأوا من العلم إلا ما علمهم الله ولم يقتحموا على الإجابة فيقولوا من تلقاء أنفسهم ما لم يأذن به الله ، فما بالكم بالإنسان الجاهل الذي خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا ؟ أنى يسوغ له أن يتسور على أحكام الله فيفتي فيها بجهله آتيا فيها بما لم يأذن به الله ؟ أليس الأولى له أن يقتدي بملائكة الله فيجيب بلا أدرى فيما لا يدري فيحرز أجر الاعتراف بالحق ؟ ويقف في الحد الذي أمره الله أن يقف عنده حيث قال :

( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً )

وناهيكم تحذيرا بالغا من التقول على الله بغير علم أن الله قرنه بالشرك في قوله :

(( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )) ( الأعراف : 33) ، وروى الإمام الربيع عن جابر رضي الله عنهما إرسالا عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال : (( من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئر لا قعر لها ولو أنه وافق الحق )) ، وقد سبق في مقدمة التفسير ذكر توقف الخليفتين رضي الله عنهما عن تفسير الأب وتحرجهما من أن يقولا على الله ما لم يرده ، وهكذا كان مسلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كانوا يتدافعون الفتيا ، ومن بلي بها ولم يستطع الفكاك منها كان شديد اليقظة والحذر من أن يأتي فيها بما لم

٨٢٣ / ١٬٢٢٠