جنة آدم
الجزء ٣ · صفحة ٨٩جنة آدم
والجنة مأخوذة من الجن بمعنى الستر، وتطلق على الأرض ذات الشجر الملتف لاجتنانها - أي استتارها به ،ومنهم من يرى أنها دالة على الشجر الملتف نفسه لأنه يجن ما كان داخله ، واستعملت الجنة في عرف الوحي الشريف المنزل على النبيين في دار السعادة التي أعدت للمتقين ، واختلف في جنة آدم هذه ، هل هي دار السعادة نفسها أو أنها بقعة يصدق عليها هذا الوصف لكثرة ما فيها من الأشجار ؟ فجمهور أصحابنا يرونها دار السعادة ، وعليه المتقدمون من الأشعرية ، وحكى القرطبي عن أبي الحسن بن بطال قوله : (( وقد حكى بعض المشائخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام ، فلا معنى لقول من خالفهم )) (1) ؛ ونحوه كلام ابن تيمية حيث قال : (( وهذا قول أهل السنة والجماعة ، ومن قال أنها جنة في الأرض بالهند أو جدة أو غير ذلك ، فهو من الملحدة المبتدعين ، والكتاب والسنة يرد هذا القول ))
(2)، وذهب بعض أصحابنا كأبي المؤثر وأبي سهل الفارسي ، وابن أبي نبهان إلى أن هذه الجنة لم تكن إلا حديقة في الأرض مليئة بالأشجار تجري من تحتها الأنهار أنشأها الله لآدم قبل أن يحمله عبء تكاليف الخلافة ، وهذا هو قول المعتزلة ، وعليه أبو مسلم الأصفهاني وأبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمي،( بالتأويلات) ، وعزى إلى أبي حنيفة ، واختاره الإمام محمد عبده والسيد محمد رشيد رضا ، وعزاه الإمام إلى المحققين من أهل السنة ، ثم قال على إثر ذلك : (( وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة :
1-أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليفة فيها ، فالخلافة مقصودة منهم بالذات ، فلا يصح أن
تكون عقوبة عارضة .
2-أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ، ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم .
3-أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فكيف دخلها الشيطان