جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تبصير العلماء بمسالك السلامة والخطر

الجزء ٣ · صفحة ١٨٤

هباء في الفضاء، ولا يكون لها أي أثر في نفوس سامعيها، بل كثيرا ما تكون دعوة هؤلاء إلى الحق أعمل المعاول في هدم صرحه لأن الفجوة بين القول والعمل تجعل الناس يستخفون بالدعوة من أساسها إذ لا تقف سخريتهم من الداعية بل تتجاوزه إلى ما يدعو إليه فيصبح اثر دعوته عكسيا، فلربما ظن الناس أنه لم يرد بدعوته إلا شغلهم بما يأمرهم به والاستئثار بما ينهاهم عنه، كما لو نهى عن أكل الربا وكان آكله، أو حذرهم من الرشوة وعُرف عنه الارتشاء، أو حض على ملازمة الجماعات وهو لا يأتي المساجد.

أما الدعوة النافعة التي تحول الناس من الضلال إلى الهدى ومن الفساد إلى الإصلاح، فهي الدعوة التي يصدقها فعل الداعية، ويترجمها واقعه، ويزكيها إخلاصه، وإذا لم يتفاعل الداعية مع دعوته فكيف يتفاعل معها غيره؟ وهل أمكن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أن يخرجوا الأمم الضالة الحائرة في أرجاء الأرض مما كانت فيه معليه من الغي والإنحراف والفساد والظلمات، إلى الرشد والاستقامة والصلاح والنور – في ذلك العصر الذي لم تكن توجد فيه وسائل إعلام ولا دور نشر – إلا بتجسيد ما كانوا يدعون إليه من الحق، ويبينونه من الهدى في واقع أنفسهم بحيث كانوا صورة حية ومثالا واقعيا للإيمان العميق والإسلام الخالص، وبهذا أخذ الناس يتسابقون إلى تلبية هذا النداء، وإتباع هذا الحق.

لقد خبر أولئك الصحابة رضوان الله عليهم ومن كان على هديهم الدعوة فعرفوا أنها دين وعقيدة وتضحية وفداء وبذل وعطاء، ليست حرفة ولا صناعة، فبذلوا كل ما في وسعهم من جهد ومال ووقت في سبيلها، وكانوا أحرص ما يكونون على دعوة أنفسهم أولا، فلم يكونوا يتساهلون فيها أو يتهاونون في محاسبتها.

وقد أدركوا قيمة الدعوة من خلال معرفتهم بقيمة ما يدعون إليه، والهدف المنشود منها، فرأوا الحياة بجانبها رخيصة، فلم يكن أحدهم يتردد في التضحية بحياته من أجلها، وقد سجل لنا التاريخ من مآثر التابعين

٩٥٩ / ١٬٢٢٠