جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تبصير العلماء بمسالك السلامة والخطر

الجزء ٣ · صفحة ١٨٣

تبصير العلماء بمسالك السلامة والخطر

وهذا التوبيخ وإن يكن خاصا ببني إسرائيل إذا ما اقتصر على النظر إلى ألفاظه فهو شامل من حيث المعنى لكل من مشى على نهجهم واقتفى أثرهم، فعلماء هذه الأمة غير مبرئين منه إذا لم يصونوا نفوسهم عن الأسباب التي استوجب بها بنوا إسرائيل هذا التقريع، والقرآن الكريم أنزله الله ذكرا للعالمين وهدى للناس أجمعين، ففي كل ما يحكيه عن الأمم، وما يقصه من أحوالهم عظة بالغة، وعبرة نافعة لأولي الألباب إذ ليس المقصود من هذا التقريع أو نحوه مما يوجهه إلى أي طائفة من الناس هجاء تلك الطائفة، وإنما مقصوده تبصير الكل بمسالك السلامة والخطر، وطرائق الهدى والضلال.

وما أكثر علماء السوء وأحبار الضلال في هذه الأمة، وما أعظم بلاءهم وأشد فتنتهم على الناس، فهم يتقمصون الدين لأجل أن يأكلوا به أموال الناس، ويرتقوا على أكتافهم إلى المناصب التي يتطلعون إليها، يأمرون الناس بالخير ولا يأتمرون، وينهونهم عن الشر ولا ينتهون، يتباكون في مواعظهم ولا يبكون، كل همهم جمع حطام الدنيا ونيل ما يشتهونه من ملذاتها، والارتقاء إلى أوج مناصبها ليست في نفوسهم على حرمات الله غيرة، ولا لدينه حمية، يتجاذبون الدنيا كما تتجاذب الكلاب الجيف، ويغار بعضهم من بعض إذا نال منها نيلا كما تغار الضرة من ضرتها إذا استأثرت عليها بمودة الزوج أو عطائه، ويتقربون إلى الحكام بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، وإبطال الحق، وإحقاق الباطل، تتقلب فتواهم بين عشية وضحاها بحسب ما يمليه عليهم الهوى، ويقتضيه رضى سادتهم الذين يؤثرون طاعتهم على طاعة الله.

وإن دعوا يوما إلى الحق أو أرشدوا إلى الهدى ناقضت أعمالهم أقوالهم، وكذبت أحوالهم دعوتهم، ورأى الناس فجوة سحيقة بيم ما هم فيه وما يدعون إليه، فبقوا حائرين بين إتباع القول أو الاقتداء بالعمل، فلا تلبث دعوتهم أن تتطاير

٩٥٨ / ١٬٢٢٠