جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الصبر

الجزء ٣ · صفحة ١٩٦

كإرسال النظر وإصغاء السمع وإطلاق الفكر وتحريك الجوارح، ولذلك كانت أقوى العوامل في إمداد النفس بالطاقات على احتمال التكاليف، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الصلاة إذا ما ضاقت عليه حلقات الأحداث، أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كانوا – يعني الأنبياء – يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة )، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم إذا كدرت المصائب والأحداث صفاء نفوسهم أسرعوا إلى هذا النبع الفياض فغسلوا به أكدارهم، ونقوا به فطرتهم، روى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان في سفر فنعى إليه أخوه قثم فتنحى جانبا عن الطريق واسترجع وصلى ركعتين ثم أقبل على راحلته وهو يتلو: ( واستعينوا بالصبر والصلاة )، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان أنه رضي الله عنه نعى إليه ابن له وهو في مسير فنزل فصلى ( واستعينوا بالصبر والصلاة )، وذكر(ركعتين ثم قال: فعلنا كما أمرنا الله، فقال: بعضهم أن المنعى إليه ابنته، وقد روى مثل ذلك عن غيره من الصحابة كما روي عن جماعة من التابعين، ويفهم من ذلك أن السلف فهموا أن الخطاب غير قاصر على بني إسرائيل من حيث المعنى والطلب وإن يكن من حيث اللفظ مسوقا إليهم.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الصبر المطلوب هنا هو الصبر على أعمال الصلاة ومطالبها، واستدل بقوله تعالى: ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها )(1) وهو رأي واهِ لأن ما استدل به لا ينافي طلب الصبر في مطلق الحالات وعلى كل التكاليف، وفسر آخرون الصلاة هنا بالدعاء مع حمل الصبر على مفهومه العام، وعلى هذا فالآية من باب قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا )(2) ، لأن الثبات

٩٧١ / ١٬٢٢٠