جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الصبر

الجزء ٣ · صفحة ١٩٨

والأصل يعاصيا ولكنه أعاد الضمير إلى شرخ الشباب لدخول سواد الشعر فيه، وقيل: هو من باب الاكتفاء نحو قوله تعالى: ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية (6) ، وهما آيتان، وكذا قول الشاعر: ( فإني وقيار بها لغريب ).

وقول آخر: ( والصبح والمسى لا فلاح معه ) .

والأصل لغريبان، ومعهما؛ وقيل: عائد إلى العبادة المفهومة من ذكر الصبر والصلاة، وجوز الزمخشري عوده إلى جميع المأمورات المتقدمة من قوله: ( اذكروا نعمتي )إلى قوله: ( واستعينوا بالصبر والصلاة )، قال ابن عاشور: ( ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها، والمحامل مرادة )(7) ، وقيل بعوده إلى الاستعانة التي يقتضيها قوله: ( واستعينوا )على حد قوله تعالى: ( اعدلوا هو أقرب للتقوى )(8) ، وثم أقوال أخرى هي من الضعف بمكان لا أجد داعيا إلى ذكرها، والمتبادر هو الرأي الأول وكفى بالتبادر شاهدا.

ويطلق الكبير على الشاق لأن احتمال الكبير أشق على النفس من احتمال الصغير سواء كان الكبر حسيا أم معنويا، ومن هذا الباب قوله تعالى: ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه )(9) ، وقوله: ( وإن كان كبُر عليك إعراضهم )(10) ، وهذا هو المعنى المراد هنا، وإنما شقت الصلاة على غير الخاشعين لما تستلزمه من حبس المصلي ظاهره وباطنه عن الالتفات إلى غير ما هو مقبل عليه وتقييد الجوارح عن حركاتها المألوفة، فهي عبادة يشترك فيها الجسم والروح، والعقل والقلب، ولا تدع مجالا للإشتغال بغيرها حال أدائها.

والخشوع لغة التطامن والانخفاض، يقال خشعت الرملة إذا تطامنت، وخشع الجدار إذا نزل، ومنه قول الشاعر:

ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع ......

والخشوع الشرعي هو تذليل النفس لله تعالى وحبسها عن التمرد على طاعته والعصيان لأوامره ونواهيه مع استشعارها عظمته التي لا تكتنه، وكبرياءه التي لا تحد، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما الخاشعين بالمصدقين، ومجاهد بالمؤمنين، وأبو العالية بالخائفين، ومقاتل بالمتواضعين،

٩٧٣ / ١٬٢٢٠