جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الصبر

الجزء ٣ · صفحة ٢٠٠

وذكر ابن عطية أن الظن يكون بمعنى اليقين فيما لو كان محسوسا، فلا يقال في رجل مَرثيٍ حاضر أظن هذا إنسانا وإنما يستعمل كذلك فيما لم يخرج إلى الحس بعد(15) .

وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن كل ظن في القرآن فهو يقين، وأقر ذلك جماعة من المفسرين منهم ابن جرير وابن كثير، ورده الشوكاني بأن ذلك متعذر في نحو قوله: ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا )(16) ، وقوله: ( إن بعض الظن إثم )(17) ، إلا أن يحمل ذلك الظن المتعلق بأمور الآخرة وهو مقتضى ما رواه ابن جرير عن قتادة.

وأبقى جماعة من أهل التفسير ظن هنا على بابها، وحمل ذلك على كونهم يلحظون دائما من أنفسهم التقصير في ذات الحق تعالى، فيظنون أنهم سوف يلاقونه بأوزارهم وهو مما يزيد قلوبهم وجلا ونفوسهم خشوعا، وخلاصة ذلك أنهم لا يأمنون سوء الخاتمة مع مراعاتهم عظم المقام وكثرة التقصير، واختار الإمام محمد عبده أن التعبير بالطن دون اليقين هنا لإفادة التقريع والتوبيخ لأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، ونص كلامه – حسبما في المنار – ( الإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده ولو لم يكن الاعتقاد يقينيا فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك اكتفي هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا ( الجلال ) باليقين لأنه الاعتقاد المنجي في الآخرة، وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط )(18) .

ولقاء ربهم يراد به الحشر إليه للحساب، والرجوع إليه، والانقلاب إلى ما أعده للناس من ثواب أو عقاب، وفسر بعضهم الرجوع بالموت واللقاء بالحشر أو الجزاء، ويضعف تفسير الرجوع بالموت ذكره بعد ذكر الإماتة في قوله تعالى: ( ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون )(19) ،

٩٧٥ / ١٬٢٢٠