باب: آية ثانية [«من» تفيد التبعيض في حقِّ المهاجرين والأنصار]
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧<257> في هَذِهِ الآية ما يَدُلُّ عَلَى العموم، بل فيها دَلِيل الخصوص بالذين اتَّبعُوه في ساعة العسرة. ثُمَّ قد دخل في الذين اتَّبعُوه أَيضًا التخصيص بخروج من ظهر نفاقه فيها مِمَّن شمله اسم الأنصار، كعبد الله بن أبي [بن] سلول، وطعيمة بن أبيرق سارق الدرع، وغيرهما، فصحَّ التخصيص.
فإن قيل: خروج المنافقين أسقطهم من موجب توبة الله عَلَيْهِم، وقد كانوا معروفين، وَأَمَّا من سواهم فداخل تحت العموم.
قيل له: لو كان اللفظ والخطاب موضوعا عَلَى العموم في الحقيقة ما دخله التخصيص لِمَا قَدَّمنا بيانه في غير موضع من دخول الخطإ، واستعمال ظاهر الخطاب نظر واجتهاد، والنظر والاجتهاد لا يوصل به إلى علم غيب حقيقة، ففي هَذَا القدر كفاية لمن منَّ الله عَلَيْهِ بالهداية.
باب: آية ثانية [«من» تفيد التبعيض في حقِّ المهاجرين والأنصار]
وَأَمَّا قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة: 100]، فَهَذِهِ الآية يوجب النظر والاجتهاد أَنَّهَا من المتشابه دون المحكم؛ لأَنَّ المحكم ما لا يحتمل تأويلين، وَهَذِهِ الآية قد قرئت عَلَى وجهين، وتُؤُوِّلت تأويلين. أَمَّا القراءة فقرأ بعضهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ﴾ بخفض «الأنصار»، عطفا عَلَى «المهاجرين»، وَبَعضٌ رَفعَ «الأنصار» عطفا عَلَى «السابقين»، واختلاف هَذِهِ القراءات دَلِيل عَلَى الاختلاف في المعنى، ومن رفع «الأنصار» أوجب الرضا للسابقين مِمَّن هاجر والأنصار جملة، والذي قرأ بخفض «الأنصار» أوجب الرضا للسابقين منهم جملة.
ثُمَّ إِنَّ قوله: ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ﴾ يَدُلُّ عَلَى البعض دون الكلِّ؛ لأَنَّ «مِنْ» هاهنا بمعنى التبعيض، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [سورة النساء: 95]، أراد بقوله: ﴿مِنَ الْمُومِنِينَ﴾ أراد الذين هم من المؤمنين؛ لأَنَّ في المؤمنين القاعدين وغير القاعدين، ولم يُرِد الذين هم [كذا]، فَهَذَا بمعنى التبعيض.
ومثله قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [سورة النساء: 24]، وأراد اللاتي هُنَّ من النساء؛ لأَنَّ في النساء المحصنات وغير المحصنات، ولم يرد اللاتي هُنَّ جملة النساء، فَإِنَّ ذَلِكَ يوجب أن تكون النساء جميعا كلُّها [كذا] محصنات.
ومثل قَوله عَزَّ وَجَلَّ بعد ذكر أهل الكِتَاب: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُومِنُونَ﴾ [سورة النساء: 162]، أراد: الراسخون في العلم الذين هم من أهل الكِتَاب؛ لأَنَّ في أهل الكِتَاب الراسخون في العلم وغير الراسخين، ولم يرد الذين هم جملة أهل الكِتَاب كُلُّهُم، فَذَلِكَ يوجب أَنَّ أهل الكِتَاب كُلُّهُم راسخون في العلم.
ومثله قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا﴾ [سورة النساء: 161]، أراد الكافرين الذين هم من أهل الكِتَاب؛ لأَنَّ فيهم الكافرين وغير الكافرين، ولم يرد الذين هم جملة أهل الكِتَاب، فيوجب ذَلِكَ الكفرَ لجميع أهل