كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل [من أنواع التخصيص أنَّ اتباع الصحابة إنما يكون فيما أجمعوا عليه لا فيما اختلفوا وتقاتلوا فيه] (2)

الجزء ١ · صفحة ٢٥٨

<258> الكِتَاب.

ومثله قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَآءِيلَ﴾ [سورة المائدة: 78]، أراد: الذين هم من بني إسرائيل، ولم يرد الذين هم بنو إسرائيل، فَهَذَا أراد البعض دون الكلِّ.

ومثله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الذِينَ اَتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُؤًا وَلَعِبًا مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ﴾ [سورة المائدة: 57]، أراد: الذين هم من الذين أوتوا الكِتَاب، ولم يرد الذين هم جملة الذين أوتوا الكِتَاب.

وقوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ الذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [سورة الأعراف: 75]، أراد: الذين هم من قومه، ولم يرد الذين هم جملة قومه.

وقوله: ﴿وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الاَعْرَابِ﴾ [سورة التوبة: 90]، ولم يرد الذين هم جملة الأعراب.

فَهَذَا وما أشبهه من كِتَاب الله يوجب البعض دون الكلِّ، فَعَلَى هَذَا يخرج الرضا للسابقين خَاصَّةً الذين هم من المهاجرين والأنصار دون جملة المهاجرين والأنصار. قيل: سبقوا إلى الهجرتين، وقيل: سبقوا إلى البيعتين، فَهَذَا وجه الخطاب في هَذِهِ الآية مقيَّد بذكر السابقين منهم دون عامَّتهم. وفي السابقين احتمالات تمنع من الحقيقة، عَلَى ما سنذكره إن شاء الله.

وَأَمَّا تأويل الآية فقد اختلف الْمُفَسِّرُونَ فيها:

- وفي كِتَاب الكلبي في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ … ﴾ الآية كُلُّهَا [سورة التوبة: 100]، الذين صلَّوا القبلتين، قبلة بيت المقدس وقبلة الكعبة حين صرفت القبلة هم السابقون الأَوَّلُونَ. وَهَذَا قول مطر [كذا] وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة وعن الكلبي، وهم الذين سبقوا إلى الهجرة مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وآمنوا به.

- وفي كِتَاب النقَّاش: السابقون إلى الإِسلاَم يحتمل السبق في الإيمان والسبق في الطاعة والسبق في العمل. وَقِيلَ: هي بيعة الرضوان. والأَوَّلُونَ من المهاجرين والأنصار الذين صلَّوا القبلتين علي بن أبي طالب في عشرة من أهل بدر.

فَهَذَا الاختلاف لا يخلو أن يكون بالدين أو بالرأي، فإن كان بالدين وجب أن يحكم عَلَى أحدهم بالخطأ. وإن كان رأيا، والرأي اجتهاد، والاجتهاد لا حقيقة فيه، وَعَلَى الوجهين ليس بمحكم، والمحكم لا اختلاف فيه. ففي هَذَا بيان وجه التشابه في السابقين. ومثل ذَلِكَ اختلافهم في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: 10 - 11]، قيل: السابقون إلى الأنبياء والإيمان بهم، والصدِّيقون والشهداء من كُلِّ أُمَّة هم السابقون إلى الجَنَّة. ويقال: السابقون إلى الجَنَّة في أَوَّل زمرة. ويقال: إلى ظلِّ الله هم السابقون في الدنيا إلى الخيرات. وَقِيلَ: هم أَوَّل النَّاس رواحا إلى المسجد، وَأَوَّلُهم خروجا في سبيل الله. ويقال: هم الذين إذا أعطوا الحقَّ قبلوه، وإذا سئلوا (1) بذلوه، وإذا حكموا الناس حكموا عَلَى أنفسهم. الأَوَّل رُفع بالابتداء، والثاني توكيد، ويكون الخبر ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [سورة الواقعة: 11 - 12].

فصل [من أنواع التخصيص أنَّ اتباع الصحابة إنما يكون فيما أجمعوا عليه لا فيما اختلفوا وتقاتلوا فيه] (2)

وَأَمَّا قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة التوبة: 100]، فالذي جاء من أهل التفسير أَنَّهُم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، غير أَنَّ في قوله: ﴿وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ نظر؛ فَإِنَّ الاِتِّبَاع إِنَّمَا يكون في الظاهر عَلَى سبيل أجمعوا عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذا اختلفوا وتنازعوا في الدين، وقتل بعضهم بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ استحال تصويبهم جميعا في الظاهر، لم يجز اتِّبَاعهم جميعا باقتداء ولا تصويب، فَإِنَّ هَذَا

(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «لعله: سئلوه».

(2) هذا بطبيعة الحال ينطبق حتَّى على أسلاف الإباضيَّة فيما أخطأت فيه المحكِّمة.

٤٢ / ٥٣