باب: آية ثالثة [وصف الصدق لا ينطبق على كلِّ المهاجرين بأعيانهم]
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩<259> أَيضًا يستحيل؛ فإذا استحال اتِّبَاعهم جميعا، وقد وجب الثناء لمن اتَّبَعَهم علمنا أَنَّ ذَلِكَ متوجِّه إلى اتِّبَاع المحقِّ منهم دون جماعتهم، فَإِنَّ اتِّبَاع جماعتهم مع اختلافهم في الدين يستحيل؛ فإذا استحال اتِّبَاعهم جميعا كان ذَلِكَ دَلِيل التخصيص.
فصل [خلاصة البابيْن السابقين]
فهاهنا وجوه من الحكم بالحقيقة في التعيين عَلَى أحد باسمه، فَإِنَّهُ ما من أحد منهم إِلاَّ ويحتمل أن يكون هو المستحقُّ لِذَلِكَ، وأن يكون المستحقُّ غيرَهُ دونه، ولا يمكن أن يكونوا جميعا، فمنها ظاهر الخطاب أوجب الرضا للسابقين. ومنها: اختلاف المعنى لاختلاف القراءات. ومنها: احتمال للسابقين في ماذا؟ وَإِلىَ ماذا؟ فمعلوم أَنَّهُم لم يسبقوا في وقت واحد وساعة واحدة، بل كانوا متفاوتين منذ بعث رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى زمان الفتح، ونسخ الهجرة بعد ذَلِكَ إِلاَّ ما شاء الله، فكيف لنا بالحقيقة في أحد عَلَى هَذِهِ المعاني، مع أَنَّ الهجرة هجرتان، وإن كانت المشهورة وغالب النظر أَنَّهَا إلى المدينة، فالتي إلى الحبشة قد سبقت فيها شبهة، إذ لا ينكر فضلها، فقد أخرج هَؤُلاَءِ من ديارهم وأموالهم كما أخرج أولئك. ثُمَّ مع هَذَا كُلِّهِ فالآية محتملة للتخصيص عَلَى ما قَدَّمنا ذكره في تخصيص الخطاب وعمومه. ففي هَذَا كفاية وشفاء لمن كان له بصر ووفاء، وبالله التوفيق.
باب: آية ثالثة [وصف الصدق لا ينطبق على كلِّ المهاجرين بأعيانهم]
وَأَمَّا قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحشر: 8]، فَهَذِهِ الآية نزلت في قسم الفيء والغنيمة التي غنمها رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم من قرى بني النضير؛ وَذَلِكَ أَنَّ المسلمين ظنُّوا أَنَّهُ سيقسمها بينهم، فقال - عليه السلام - للأنصار: إن شئتم أن أقسم بينكم وتقرُّون المهاجرين معكم في دوركم فعلت، وإن شئتم عزلتهم وقسمت لهم هَذِهِ النخل وَالأَرض، فقالوا: يارسول الله، بل أقرَّهم في دورنا واقسم لهم دوننا، فجعلها صلَّى الله عليه وسلَّم للمهاجرين، فأنزل الله تَعَالىَ: ﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [سورة الحشر: 6]، والإيجاف من الوجيف، وهو سير دون التقريب، يقول: لم تعدُ إِلَيْهِ الخيل ولا الركاب، وَإِنَّمَا كانت بناحية المدينة فمشت إِلَيْهِ الرجال، ولم تكن قاصية يتكلَّفون إِلَيْهَا السير، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ﴾ [سورة الحشر: 6]، يعني محَمَّدًا وحده في هَذِهِ الآية خَاصَّةً، فرأى (1) المسلمون عند نزول هَذِهِ الآية أَنَّ هَذَا خالص لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يعمل فيه ما أحبَّ. وَقِيلَ: لَمَّا نزلت هَذِهِ الآية كان الفيء بين هَؤُلاَءِ، فَلَمَّا نزلت الآية التي في الأنفال نسخت الأولى، فجعل الخمس مكان الفيء، وصار ما يفيء من الغنيمة لمن قاتل عَلَيْهِ.
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [سورة الحشر: 7]، نزلت في الغنيمة ثُمَّ صارت بعد في جميع الدين، ثُمَّ قال: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ وهي بعد في جميع
(1) الكلمة غير مفهومة في الأصل، رسمها: «فرق» مع نقطة تحت القاف.